في الذكرى السبعين لمذبحة الدوايمة

لم يكن يوم الجمعة التاسع والعشرين من شهر تشرين أول لعام 1948 يوماً عادياً في قرية الدوايمة الواقعة على بعد 24 كم من الخليل، أزقة القرية وطرقاتها خالية من المارة، فلا أطفال في الساحات ولا نساء حول العيون والآبار لملء القرب والجرار، والحقول وكروم الزيتون خالية من أصحابها، فغالبية السكان قد تركتها إلى القرى المجاورة مع تواتر الانباء عن نية مبيتة لعصابات اليهود لمهاجمة القرية وإحتلالها، لم يبقى في القرية سوى قلة من الرجال وشيوخ ونساء وأطفال، إختاروا البقاء في القرية أو لم تسمح لهم ظروفهم بالرحيل ... ربما كانون يأملون أن تحصل معجزة ما ... أو أن يأتيهم المدد من مكان ما ... فيتراجع الغزاة ويعود أبناء القرية إليها ... وتعود الحياة إلى سابق عهدها ... ويرجع سوق القرية مزدهرا كعادته كل يوم جمعة ... يقصده الباعة والمشترون من كافة المناطق والقرى المجاورة...
كان هدوء القرية وسكونها مخيفا وكان الوقت يمر بطيئا ... تجمع ما يزيد عن 70 من كبار السن والعجزة في المسجد "جامع الزاوية" لأداء صلاة الجمعة ... غمرتهم راحة وغشيهم هدوء أفتقدوه ... فالصلاة سكن وسكينة ... وهم في بيت من بيوت الله ... لا بد أنه سيحميهم من غدر الغادرين ... فكل الديانات السماوية تحترم وتقدس أماكن العبادة ... لن يقترب منهم أحد وهم بين ركوع وسجود ... ولا بد أن لهذا المكان من كرامة ما ... فجامع الزاوية لم يكن مسجدا فقط ... فقد كان يستقبل ضيوف القرية وعابري السبيل وكان مكاناً للتواصل واللقاء بين أبناءها ... فيه تقام مراسم المناسبات الحزين منها والسار ... وفيه تجبر الخواطر ... وترد المظالم ... ويغاث الملهوف.
في الوقت الذي كانت تقام الصلاة في المسجد ... كانت أسر بكاملها جلها من النساء والأطفال تحتمي بمغارة وكهف كبير "طور الزاغ" .... ثلاثين أسرة أو تزيد تفترش أرض المغارة وتستند إلى جدرانها ... ربما وجدوه المكان الأكثر آماناً في القرية ... كما أن تجمعهم في مكان واحد قد أشعرهم بالأمن وبدد الخوف لديهم بعض الشيء ... بالرغم من ذلك فقد كان الوجوم والقلق طاغيا على الكبار ... وحدهم الصغار كانوا يتقافزون ويلعبون في الحيز الذي سمح به المكان.
ما بين المسجد والمغارة ... كان الجميع ينتظرون شيئا ما ... لم يطل إنتظارهم طويلا ... بدأت أصوات غير مألوفة تصل إلى الإسماع رويدا رويدا ... آليات عسكرية ومصفحات تقترب من القرية ... ترتفع الأصوات ويزداد الضجيج ... الآليات تقترب أكثر ... والتكبيرات تشتد وتعلو من المصلين في المسجد ... والقلق والتوتر يزداد في الطور .... بكاء خافت بدأ من بعض النسوة ... إرتفع صوت البكاء ... غدا نحيبا هنا وصراخا هناك .... إلتصقت الامهات بجدران الطور الخشنة القاسية... وضمت كل إمرأة صغارها إلى صدرها وقبلتهم بحنان ... وإمتزج بكاء الصغار بنحيب الكبار ....
أصوات المجنزرات تقترب أكثر وأكثر ... لم توقفها طلقات بعض المقاومين ... الذين حاولوا جاهدين صد الغزاة ببضع بنادق قديمة ... ثم بصدورهم العارية ... قبل أن يسقطوا شهداء على الأرض التي أحبوا وفوق التراب الذي طالما تعفرت أقدامهم به رائحين وعائدين من الحقول وكروم الزيتون ...
دخل البرابرة القرية أخيرا ... يقتلون كل من صادفهم في الطرقات ... يفتشون المنازل يبيدون من بقي فيها من مقعد أو عاجز او كفيف، دماء زكية سالت وسفكت لأبرياء عزل ... أستباحتها "طهارة السلاح" الصهيوني، بيد أن شهوتهم المجنونة للدماء لم تتوقف ... جذبتهم أصوات التكبيرات تعلو من "جامع الزاوية" ... توجهوا صوبه ... إقتحموا مدخله دنسوا قداسته .... واجهتهم تكبيرات المصلين ... أفرغوا حمم بنادقهم في الهامات والصدور .... وعاد الصمت يخيم على المكان ... حزينا كئيباً .... شاهدا على وحشية "أبناء الله وشعبه المختار"....
لم تشفي كل الدماء الغزيرة التي سالت ... غليل قتلة وسفاحي العصر ... فإتجهوا إلى الطور وقد لمحوا أشخاصا يلتجئون إليه .... هربا من موت ومصير بات محتوما... وما أن إقتحموا المكان حتى أمروا من فيه بالخروج والوقوف في صفين طويلين واحد للرجال والآخر للنساء، ثم أخرجوا ثلاث صبايا من صف النساء فأخذن يستعطفن الجنود، وأمهاتهن يصرخن ويلطمن "دخيلكو إتركوا البنات ... خذونا إحنا"، ولما رفضوا إنقضت الأمهات على الجنود للحيلولة بينهم وبين بناتهن ... فعاجلهن الجنود برصاص منهمر ... وجروا البنات بعيدا ... وما هي إلا لحظات حتى صدر الأمر إحصدوهم جميعا فسقطوا مضرجين بدمائهم ... ولم يسلم من الموت صغار ورضع أخطأهم رصاص القتلة ... فداهمتهم عصي وهروات هشمت جماجمهم ... في مشهد سادي أحجم عنه عتاة القتلة والسفاحين في التاريخ...
سبعون عاما مرت على المجزرة ... وصرخات الضحايا ما زالت تتردد بين الارض والسماء... والدم ما زال طازجا ... لم يجف بعد ... بإنتظار مواكب المحررين للارض التي طال إنتظارها ... هم آتون بلا ريب ... سيعبرون النهر ذات يوم ... وعندما يصلون مشارف الدوايمه ... سيولون وجوههم شطر "طور الزاغ" يلقون السلام على أرواح ساكنيه وسيعتذرون بإسم الأمة عن طول الغياب ... ثم يسارعوا إلى "مسجد الزاوية" ليدركوا الركعة الاخيرة من الصلاة....