آخر الأخبار
  الصبيحي: فرصة التحول من تقاعد النقابات إلى تقاعد الضمان كخيار استراتيجي   قروض حسنة لمشاريع زراعية للباحثين عن عمل تصل إلى 15 ألف دينار   الصناعة والتجارة: أهمية الإبلاغ عن أي مخالفات أو ممارسات غير قانونية في الأسواق   عطية: متجهون لإجراء تعديلات تحقق العدالة في الضمان الاجتماعي   الفلكية الأردنية: 36 دقيقة مدة مكث هلال شوال و15 ساعة عمره عند التحري   تفاصيل حول البرنامج الحكومي لنقل طلبة المدارس الحكومية مجانًا   منحة أمريكية لمشروع الناقل الوطني بقيمة 203 ملايين دولار   خطة بيئية لمواقع التنزه والأماكن السياحية خلال عيد الفطر   وزير النقل يبحث تعزيز التعاون بين مشغلي المطارات في الأردن   ترامب: تم القضاء على قادة إيران ومشكلتنا هي أننا لا نعرف مع من نتعامل فيها   محافظة: الحكومة ستتكفل بتكلفة مشروع النقل المدرسي البالغة 27 دينارا للطالب شهريا   إطلاق النقل المدرسي المجاني في الأردن بدءاً من آب 2026   هاشم العامر: خطر لي قبل النوم، أن ملكنا طيب جدا، قلبه صافي هذا الرجل   تنبيه أمني صادر عن السفارة الامريكية في الاردن   القاضي: المرأة تمثل شريكا أساسيا في تحقيق التنمية الإقتصادية   إعلامي اردني: لست محللًا استراتيجيًا ولا عسكريًا .. لا يوجد على قيد الحياة شخص اسمه مجتبى خامنئي   أمانة عمّان تعلن دوام السوق المركزي خلال عطلة عيد الفطر   تنظيم الاتصالات: محاولات احتيال إلكتروني عبر عروض وهمية   عطية: متجهون لإجراء تعديلات تحقق العدالة في الضمان الاجتماعي   الجيش يحبط محاولات تهريب مخدرات في المنطقتين الشرقية والجنوبية

العصر الرقمي… حين تُقصف الدول بلا صواريخ

{clean_title}
العصر الرقمي… حين تُقصف الدول بلا صواريخ

لم تعد الحروب تُعلن ببيان عسكري، ولا تبدأ بزحف الدبابات عبر الحدود. في العصر الرقمي، قد تبدأ الحرب بضغطة زر، ببرمجية خبيثة تتسلل إلى خوادم دولة، أو بشيفرة صامتة تُطفئ مدنًا كاملة دون أن يُسمع دويّ انفجار واحد.

العمليات السيبرانية العدوانية لم تعد مجرد أدوات مساندة للصراع، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا يسبق الرصاص والصواريخ. إنها حرب لا تعترف بالحدود، ولا تخضع لقوانين الاشتباك التقليدية، ويمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة خلال دقائق. الأخطر أنها تتيح للدول توجيه ضربات موجعة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، بكلفة أقل وضجيج أقل من العقوبات أو التدخل العسكري المباشر.

لقد تحوّل الفضاء الإلكتروني إلى ساحة معركة مفتوحة، تُستخدم فيها الهجمات السيبرانية لتعطيل البنى التحتية الحيوية: الكهرباء، المصارف، الاتصالات، المستشفيات، والمطارات. لم يعد الهدف احتلال الأرض فقط، بل شلّ الدولة من الداخل، وضرب ثقة المواطن بمؤسساته، وإرسال رسائل سياسية قاسية دون الحاجة لإعلان حرب رسمي.

الحرب الروسية الأوكرانية قدمت نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فقبل أن تتقدم القوات على الأرض، كانت المواقع الرسمية الأوكرانية، ووزارات الدفاع، والمصارف، تتعرض لهجمات سيبرانية عطّلت الوصول إليها. لكن جذور هذه المواجهة الرقمية تعود إلى عام 2014، حين بدأت مضايقات رقمية ممنهجة استهدفت الخدمات الحكومية والقدرات العسكرية الأوكرانية لأغراض استخبارية، بالتزامن مع احتلال شبه جزيرة القرم.

في كانون الأول 2015، انقطعت الكهرباء عن نحو 225 ألف شخص في غرب أوكرانيا، ليس بسبب قصف جوي، بل نتيجة اختراق سيبراني استهدف أنظمة توزيع الطاقة. كانت تلك رسالة واضحة: البنية التحتية لم تعد محصنة، وأمن الطاقة يمكن أن يُكسر من خلف شاشة.

وتُتهم وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) بالوقوف وراء العديد من هذه العمليات، عبر مجموعات قرصنة مثل "Sandworm”، التي ارتبط اسمها بهجوم "NotPetya” عام 2017. الهجوم الذي بدأ باستهداف شركات أوكرانية، سرعان ما انتشر عالميًا، متخفيًا بواجهة برنامج فدية، لكنه في الحقيقة كان أداة تدمير شامل للأنظمة الرقمية. قُدرت خسائره بأكثر من 10 مليارات دولار، ليُصنّف كأكثر الهجمات الإلكترونية تدميرًا في التاريخ الحديث.

هذا النوع من الهجمات لا يميز بين جندي ومدني، ولا بين دولة طرف في النزاع وأخرى بعيدة آلاف الكيلومترات. فالعدوى الرقمية عابرة للقارات، وأي ثغرة قد تتحول إلى مدخل لكارثة اقتصادية أو أمنية.

اليوم، لم يعد الأمن السيبراني ترفًا تقنيًا، بل ركيزة من ركائز الأمن القومي. الدول التي لا تستثمر في قدراتها الدفاعية والهجومية الرقمية، تترك أبوابها مشرعة أمام خصوم لا يُرون بالعين المجردة. المعركة لم تعد فقط على الحدود، بل داخل الخوادم، وفي أنظمة التحكم الصناعية، وفي الشبكات التي تدير حياة الناس اليومية.

الحرب السيبرانية العالمية ليست احتمالًا نظريًا، بل مسارًا يتشكل أمام أعيننا. قد تكون جالسًا في منزلك، تتصفح حسابك على مواقع التواصل، وفجأة يتجمد حاسوبك، أو تتعطل شبكات البنوك، أو تنطفئ الكهرباء في عشر مدن، لأن صراعًا اندلع بين دولتين بعيدتين عنك آلاف الكيلومترات.

في هذا العصر، قد تُحتل دولة دون أن يدخلها جندي واحد. وقد تُشلّ أمة كاملة دون أن يُطلق رصاص. إنها حرب بلا دخان… لكنها تترك خلفها ظلامًا حقيقيًا.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.