آخر الأخبار
  قرارات حكومية صارمة بشأن قضايا الإرهاب .. تفاصيل   نقيب السياحيين العراقيين: الأردن يُمثل وجهة مُهمة للسائح العراقي   الأردن يؤكد وقوفه المطلق مع السعودية لحماية أمنها واستقرارها   1.227 مليار دينار فاتورة التقاعد خلال 8 اشهر   ضبط محلول عدسات لاصقة مخالف في الاسواق .. وتحذير من استخدامه   الأميرة بسمة: هكذا هنّ أمهات الأردن وبناته   "البوتاس العربية" تعزز سلاسل توريدها في شمال غرب أوروبا بتوقيع اتفاقية استراتيجية مع "Euroports" البلجيكية   الأمن يحذر من الانزلاقات وتدني الرؤية خلال الأحوال الجوية المتوقعة   الصبيحي يطالب حسان بإنصاف معلمات المدارس الخاصة وحماية حقوقهن بالضمان   العمل: جولات صباحية ومسائية لضبط العمالة الوافدة المخالفة   التربية تعلن برنامج امتحانات تكميلية التوجيهي   الفلك يحدد أول أيام رمضان .. و3 ظواهر تحسم الجدل مبكراً   مداهمات أمنية توقع بـ 28 تاجرا ومروجا للمخدرات   اجراء قرعة خدمة العلم وإعادة تفعيل المنصة للاستعلام عن المكلفين   5 متهمين بقضية كنيسة حمود بينهم 3 نفذوا الهجوم و2 باعاهم السلاح   الأشغال: 23 بلاغا خلال يومين وإغلاق تحويلة جسر الرامة مع كل حالة جوية   تحذير من مديرية الأمن العام   تمرين وطني الثلاثاء للوقوف على اختبار إجراءات السلامة العامة   البنك الأهلي الأردني يعيّن أمير السلعوس مديرًا للشؤون المؤسسية والتسويق وعضوًا في الفريق التنفيذي   أمن الدولة تستمع لشهود العيان بقضية كنيسة حمود

فى شجاعة الاختيار بين شرَّين

Sunday
{clean_title}

صرنا بإزاء قراءتين للدستور الجديد في مصر. إحداهما تراه الأفضل والأخرى تراه الأسوأ والأتعس. وظاهر الأمر أن كل طرف متمسك بقراءته وغير مستعد للتنازل أو التراجع عن شيء منها. وهو ما يعني أننا في حقيقة الأمر لسنا فقط بصدد اختلاف حول الدستور، وإن تذرع البعض بذلك، لكننا أيضا إزاء صراع بين فريقين كل منهما له رؤيته الخاصة بالمستقبل التي يريد فرضها على الآخر. وحتى الآن فشل الطرفان في إيجاد صيغة توافقية تسمح لهما بالعيش معا تحت سقف البيت الواحد.
لو كان الأمر مقصورا على صراع بين النخبة لهان، علما بأن التجاذب بين الإسلاميين والعلمانيين قائم في الساحة المصرية منذ أمد بعيد. وقد عبر عن نفسه في التنافس الذي عرفته مصر في بداية القرن العشرين بين دعاة الجامعة الإسلامية الذين كان من بينهم مصطفي كامل باشا ودعاة الجامعة المصرية الذين تصدرهم الدكتور أحمد لطفي السيد، لكن الأمر اختلف في الوضع المصري بعد ثورة 25 يناير، حين أصبح الإسلاميون في مواقع السلطة، التي ظلت حكرا على العلمانيين على مر الزمان. وهو ما حول التجاذب إلى صراع تعددت أشكاله، ومن أسوأ آثاره أنه أدى إلى شل حركة الحياة في مصر، وإشاعة درجة عالية من الاحتقان والتوتر في المجتمع.
بطبيعة الحال لم يخل المشهد من أخطاء وقع فيها الإسلاميون، وقد أسهمت تلك الأخطاء في تعزيز مواقع المعسكر المضاد من ناحية، كما وفرت لأركان ذلك المعسكر ذرائع كانت كافية لاستمرار العراك ولاحتشاد المعارضين وتجاوزهم عن تناقضاتهم الأصلية، في الوقت ذاته فإنها وفرت غطاء مناسبا للرغبة الأصيلة والكامنة لدى البعض في إقصائهم من الحلبة، واستعادة زمام الأمور مرة أخرى بعدما اختلت المعادلة بسبب نتائج الانتخابات التي جاءت بالأغلبية الإسلامية إلى السلطة وأفقدت الأقلية سلطانها التقليدي.
حين تطور العراك وأصبح ضارا بالمصلحة الوطنية جراء تأثيره السلبي على الأوضاع الاقتصادية وتعطيله لمصالح الناس، فضلا عن شحن المجتمع بمشاعر التوتر والقلق، فإن السؤال الذي أصبح واجب الطرح لم يعد من ينتصر على من، وإنما هو كيف يمكن أن نستعيد زمام المبادرة، لتمكين المجتمع من تجاوز المأزق وتحريك مياهه الراكدة.
أمامنا الآن طريقان، إما أن نمرر الدستور على علاَّته وننتقل به إلى مرحلة بناء مؤسسات النظام الجديد، وإما أن نتخلى عن الدستور فنلغيه تماما أو نجمده ــ كما قال البعض ــ ونبدأ رحلة إعداده من الصفر. لنعيد انتخاب أو تشكيل اللجنة التي ستتولى وضعه، ثم ننتظر عدة أشهر أو عدة سنوات حتى تنتهى اللجنة من إعداد مشروعها. إن شئت فقل إننا بالخيار الأول ننتقل إلى مرحلة بناء النظام الجديد وتدوير عجلة التنمية والاستقرار، في حين أن الخيار الثانى يبقى الحال كما هو عليه إلى أن يعاد النظر في كل الأشواط التي سبق أن قطعناها من قبل.
سأفترض في هذه الحالة أن الدستور به بعض النواقض، لكن تمريره سيؤدي إلى تحريك المياه الراكدة، وأن إعادة النظر الشاملة فيه ستعطينا نموذجا أفضل بعد عدة أشهر أو سنوات، لكنه سيبقى على الركود والشلل كما هو، فأيهما نختار؟ إذا سلمنا بهذا التوصيف فإننا سنصبح مخيرين بين سيئ وأسوأ، أو بين العَوَر والعمى. وينبغي أن نضع في الاعتبار أن سؤالنا لا نلقيه في فراغ، ولكنه يلقى في ظل واقع اقتصادي وسياسي مضطرب لا نملك في ظله ترف الانتظار، لأن موارد البلد مثلا تنفد حينا بعد حين، الأمر الذي ينذر بوقوع كارثة إذا طال الانتظار.
في هذه الحالة، فإن أي عقل رشيد ومسئول يقبل بالسيئ حتى لا يقع في براثن الأسوأ. ذلك أنه لا مشكلة في الاختيارين الجيد والرديء أو بين الأبيض والأسود، الأمر الذي أزعم أنه في مقدور كل أحد، لكن التحدي الحقيقي يكون في الاختيار في حالة الضرورة بين شرين، وأحسب أن تلك الضرورة قائمة في الوقت الراهن.
يخفف من حدة الأزمة التي نواجهها ذلك الجهد التوفيقي الذي يبذل الآن لتجميع المواد المختلف عليها في الدستور، والتي قد يتفق ممثلو القوى السياسية على ضرورة تعديلها في الدستور الجديد، تمهيدا للاستجابة لتلك الرغبة من خلال البرلمان الجديد. يشجع على ذلك أمران، أحدهما حماس الرئيس مرسي ونائبه للفكرة وما قيل عن استعداد الرئيس للتوقيع على الوثيقة التي ستضم التعديلات المقترحة وتعهده الالتزام بمضمونها. الأمر الثاني أن مشروع الدستور يسَّر عملية التعديل وجعلها حقا مكفولا يمكن أن يتولى خُمس الأعضاء التقدم به والدعوة إليه (المادة 217).
إذا كان التعديل ممكنا، فإن خريطة القوى السياسية لا تخلو من تعقيد. ذلك أن من المعارضين من هو مختلف مع بعض مواد الدستور وتوجهاته، وهؤلاء يمكن التفاهم معهم فيما يرتضونه ويطمئن بالهم.
وهناك آخرون لهم تحفظاتهم على سياسة الدكتور محمد مرسي التي أوقعته في أخطاء أساءت إليه وسحبت من رصيده. وهؤلاء أيضا يمكن التفاهم والتوافق معهم استنادا إلى موضوعية تحفظاتهم. لكن هناك فريقا ثالثا لا ينصب اعتراضه على الدستور أو على سياسة الدكتور مرسي، ولكن اعتراضه الحقيقي منصب على مبدأ وجود الدكتور مرسي وما يمثله في السلطة.
وقد ذكرت توا أن هؤلاء يغطون موقفهم بالحديث عن نواقص الدستور وأخطاء الرئيس. لذلك فإنهم سيظلون منحازين للخيار الأسوأ، حتى تغرق السفينة بأهلها أو ينهدم المعبد على من فيه.
إن وسائل الخروج من المأزق متاحة بدرجة أو بأخرى، لكن المشكلة في توافر الإرادة المخلصة اللازمة لبلوغ ذلك الهدف، التي تقدم مصلحة الوطن على مصالح المتعاركين. وهو اختبار لا تسرنا نتائجه التي ظهرت حتى الآن.