عصر الترند… حين تُختصر القيم في عدد المتابعين.
في زمنٍ كانت فيه الحكمة تُنتزع من تجارب الكبار، وتُصاغ من صمت السنين وثقل المواقف، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد مختلف تمامًا ، حيث تُستبدل المعايير، ويُعاد تعريف القيمة، ويُمنح الصوت الأعلى لا لمن يستحق، بل لمن يتقن ركوب موجة "الترند”.
لم تعد المعرفة هي العملة الرائجة وحدها، بل أصبح الانتباه هو السلعة الأغلى، حتى وإن جاء على حساب المعنى ، ومع ثورة الإنترنت التي بشّرت بعصرٍ من الانفتاح والوعي، تسللت ظاهرة مقلقة: شهرة بلا مضمون، وتأثير بلا رسالة، وحضور طاغٍ لأشخاص لا يملكون من التأثير إلا القدرة على جذب العيون… لا العقول.
ظهر "المؤثر” الذي لا يزرع فكرة، ولا يوقظ وعيًا، بل يستهلك الوقت كما تستهلك النار الهشيم ، محتوى سريع، ضاحك أحيانًا، لكنه فارغ في جوهره، يمرّ كنسمة عابرة، لكنه يترك خلفه فراغًا أكبر ، والأسوأ من ذلك، أن هذا النمط لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة لها جمهورها، وسوقها، وحتى ممولوها.
جيلٌ كامل بات يقيس يومه بعدد المقاطع التي شاهدها، ويتفاعل بسخاء مع تفاصيل حياة غرباء، بينما يتراجع اهتمامه بذاته، ومستقبله، وأهدافه الحقيقية ، لم يعد السؤال: ماذا تعلمت اليوم؟ بل: ماذا شاهدت؟ ومن تابعت؟ وكم عدد الإعجابات التي منحتها؟
المفارقة المؤلمة أن التفاهة لم تعد تُستهجن، بل تُكافأ. تُرفع إلى مصاف "المحتوى”، وتُمنح الألقاب، وتُفتح لها أبواب الفرص، في حين يُهمَّش الصوت العاقل، ويُدفن الجهد الحقيقي تحت ركام الضجيج.
لسنا أمام أزمة تقنية، بل أزمة وعي ، فالأدوات بحد ذاتها محايدة، لكن طريقة استخدامها هي التي تصنع الفارق بين مجتمعٍ يرتقي، وآخر يستهلك نفسه ببطء.
اليوم، لم يعد النجاح يُقاس بعمق الفكرة، ولا بصدق التأثير، بل بعدد المتابعين، وسرعة الانتشار، وحجم التفاعل… حتى وإن كان هذا التفاعل سطحيًا، عابرًا، بلا أثر.
باختصار:
لم تعد المشكلة في وجود التفاهة…
بل في أنها لم تعد تخجل من نفسها،
وفي أنها وجدت من يصفّق لها… ويقتدي بها.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.