"سيادة القانون كأسلوب حياة"
الكاتب : الدكتور عدي تركي الفواعير
كيف نتحول من ثقافة تجنب العقوبة إلى ثقافة احترام النص في الشارع الأردني؟
ليس من الصعب أن تجد شخصاً يلتزم بإشارة المرور عندما يرى رجل الأمن، أو يربط حزام الأمان عند اقترابه من نقطة تفتيش، أو يتجنب مخالفة معينة لأنه يخشى الغرامة. لكن السؤال الأهم ليس: هل يلتزم؟ بل: لماذا يلتزم؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لسيادة القانون.
فالمجتمعات لا تُقاس بعدد القوانين التي تملكها، بل بالطريقة التي ينظر بها أفرادها إلى تلك القوانين. فهناك فرق كبير بين مجتمع يطيع القانون خوفاً من العقوبة، ومجتمع يحترم القانون لأنه يؤمن بأنه الطريق إلى حياة أكثر أمناً وعدلاً وكرامة.
إن ثقافة تجنب العقوبة تصنع مواطناً يبحث دائماً عن فرصة للإفلات من المسؤولية، بينما تصنع ثقافة احترام القانون مواطناً يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون. وفي هذه النقطة تحديداً، يتحول القانون من نصوص مكتوبة في الجريدة الرسمية إلى سلوك يومي يمارس في الشارع والبيت والمدرسة ومكان العمل.
في الشارع الأردني، لا يحتاج الأمر إلى قوانين جديدة بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والقانون. فالالتزام بعدم رمي النفايات، واحترام الدور، والمحافظة على المال العام، وعدم التعدي على الأرصفة، والالتزام بقواعد السير، ليست مجرد واجبات قانونية، وإنما مؤشرات حضارية تعكس مستوى الوعي المجتمعي.
فعندما يقف السائق عند ممر المشاة رغم عدم وجود كاميرا، فهو لا يحترم رجل السير، بل يحترم الإنسان الذي يعبر الطريق. وعندما يرفض الموظف استغلال منصبه، فهو لا يخشى العقوبة فقط، وإنما يحترم الثقة التي أودعها المجتمع فيه. وعندما يلتزم التاجر بالتسعيرة أو الفاتورة أو معايير الجودة، فهو لا يؤدي واجباً قانونياً فحسب، بل يشارك في بناء اقتصاد يقوم على الثقة.
إن المشكلة ليست في ضعف النصوص القانونية، بل في الفجوة التي تفصل النص عن الثقافة. فالقانون يستطيع أن يفرض العقوبة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الضمير. والضمير لا يولد في قاعة المحكمة، وإنما يبدأ في الأسرة، وينمو في المدرسة، ويتعزز في الجامعة، وتدعمه المؤسسات الدينية والإعلامية، وتترجمه مؤسسات الدولة في تعاملها اليومي مع الناس.
ولهذا فإن بناء ثقافة سيادة القانون يبدأ منذ الطفولة، عندما يتعلم الطفل أن احترام النظام ليس خوفاً من العقاب، وإنما احترام لحقوق الآخرين. فالطفل الذي يتعلم الوقوف في الطابور سيصبح موظفاً يحترم الدور، وسائقاً يحترم الإشارة، ومسؤولاً يحترم القانون.
كما أن الدولة نفسها تتحمل مسؤولية ترسيخ هذه الثقافة، فالمواطن لا يقتنع بسيادة القانون إذا شعر أن القانون يطبق على بعض الناس دون بعض. إن العدالة المتساوية هي الرسالة الأقوى التي يمكن أن تقدمها الدولة لترسيخ احترام القانون، لأن القانون يفقد قيمته الأخلاقية عندما يصبح انتقائياً، ويكتسب هيبته عندما يكون الجميع أمامه سواء.
ومن هنا فإن سيادة القانون ليست مسؤولية القضاء وحده، ولا مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مشروع وطني تشارك فيه جميع المؤسسات. فالمعلم يصنعها داخل الصف، والإعلامي يصنعها في الكلمة، ورجل الأمن يجسدها في الميدان، والقاضي يكرسها في الحكم، والأسرة تغرسها في الأبناء، والمواطن يحولها إلى ممارسة يومية.
لقد اعتدنا في كثير من الأحيان أن نقيس نجاح القانون بعدد المخالفات المحررة أو العقوبات المنفذة، بينما المقياس الحقيقي لنجاحه هو انخفاض الحاجة إلى العقوبة أصلاً. فعندما يصبح احترام القانون سلوكاً تلقائياً، تكون الدولة قد انتقلت من إدارة المجتمع بالعقوبات إلى قيادته بالوعي.
إن الأردن يمتلك منظومة قانونية راسخة ومؤسسات وطنية قادرة على حماية سيادة القانون، لكن المرحلة القادمة تتطلب استثماراً أكبر في بناء الإنسان، لأن الإنسان الواعي هو الضمانة الحقيقية لاستمرار قوة القانون. فكل دينار يُستثمر في نشر الثقافة القانونية يوفر أضعافه من كلفة المخالفات والنزاعات والجريمة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل ألتزم بالقانون لأن هناك من يراقبني، أم لأنني أؤمن أن احترام القانون هو احترام لنفسي ولوطني ولحقوق الآخرين؟
فعندما تصبح الإجابة هي الخيار الثاني، نكون قد انتقلنا فعلاً من ثقافة تجنب العقوبة إلى ثقافة احترام القانون، وعندها فقط تصبح سيادة القانون ليست مجرد مبدأ دستوري، بل أسلوب حياة، وهوية مجتمع، ولغة حضارة، وأساس الدولة التي يثق المواطن فيها كما تثق هي بمواطنيها.