آخر الأخبار
  حارس الكويت السابق يواصل استفزاز الجماهير الأردنية .. صورة   إحباط محاولتي تهريب كمية كبيرة من المخدرات في المنطقة الشرقية   إحباط محاولتي تهريب كمية كبيرة من المخدرات في المنطقة الشرقية   التربية: لا ملاحظات أثرت على سير أولى امتحانات التوجيهي   طقس صيفي معتدل الحرارة في المرتفعات الجبلية والسهول الجمعة   مونديال 2026 .. ألمانيا تخسر أمام الإكوادور .. وكوت ديفوار تحسم مواجهة كوراساو   تعليق خطة إجلاء البحارة العالقين في مضيق هرمز بعد هجوم في خليج عُمان   بعد اقتراب نهاية الجولة الثالثة .. الذكاء الاصطناعي يكشف بطل كأس العالم 2026   نتنياهو: لن ننسحب من جنوب لبنان وسنبقى فيه طالما تطلب الأمر ذلك   الفراية : وزارة الداخلية معنية بشكل رئيسي بتسهيل دخول الفلسطينيين إلى الأردن   النائب خميس حسين عطية يطالب الحكومة بتمديد مهلة تسوية وترخيص الأبنية القائمة والمنشأة قبل تاريخ 1/1/2025 لمدة عام إضافي   "الداخلية العرب" يدين العدوان الإيراني على الكويت والبحرين   إعلان هام من "المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي" للمنشآت السياحية   وزارة المياه توضح حول تزوِّد 100 منزل غير مشمولين بخدمات المياه بطريقة غير مشروعة   أبو شحوت تؤدي اليمين القانونية عضوا في مفوضي مستقلة الانتخاب   إعلان صادر عن "وزارة التعليم العالي والبحث العلمي" لإبناء العاملين بالصحة   توسيع خدمات النقل المنتظم بين الكرك والمدينة الطبية   الأردن وهنغاريا يبحثان تطوراتِ الأوضاع في المنطقة   الصبيحي: 32 ألف متقاعد يتقاضون أقل من 200 دينار   123 مليون يورو لتوسعة محطة تنقية مادبا

إيران بين غضب الشارع والبوارج الأميركية.. هل بدأ الحسم؟

Friday
{clean_title}
جراءة نيوز - الدكتور منذر الحوارات يكتب ..

كانت إيران، لعقود، جوهرة التاج في الاستراتيجية الأميركية، وعندما خسرت الولايات المتحدة نظام الشاه عام 1979 مع وصول آية الله الخميني إلى السلطة وتأسيس الجمهورية الإسلامية على قاعدة "ولاية الفقيه”، لم تكن الخسارة مجرد فقدان حليف، بل زلزال جيوسياسي عميق، فقد خسرت واشنطن عقدة ربط استراتيجية تطل على الخليج العربي وتتحكم بالضفة الشمالية لمضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، وتشكل حاجزاً بين الاتحاد السوفييتي في حينه والمياه الدافئة، وجسراً بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى، وكانت إيران آنذاك جزءاً أساسياً من "نظام العمودين” في عقيدة نيكسون لحفظ استقرار الخليج.

ومع سقوط الشاه، لم تخسر واشنطن موقعاً فحسب، بل واجهت دولة أيديولوجية معادية للمنظومة الغربية، تعمل على تقويض الوجود الأميركي والنظام الإقليمي الذي يخدم مصالحه، وتحوّلت إلى مصدر إلهام للقوى المعادية للولايات المتحدة، وهنا تكمن الخسارة الحقيقية: استبدال حليف استراتيجي بخصم عنيد في موقع بالغ الحساسية، ما دفع واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري المباشر في الخليج العربي.
ومنذ ذلك التحول، لم تتوقف محاولات الولايات المتحدة لاستعادة إيران: بالاحتواء أو الردع أو الضغط المتدرج، وبلغ هذا المسار ذروته في حرب الاثني عشر يوماً، التي كشفت عن اختراق أميركي إسرائيلي عميق طال المفاعلات النووية وأجزاء من البرنامج الصاروخي، من دون الوصول إلى رأس النظام، على الأرجح بسبب غياب بدائل سياسية واضحة لمرحلة ما بعد الضربة.
هذا "التردد” شجّع واشنطن على تصعيد الضغط الاقتصادي، ما أدى إلى انهيار العملة، وتفاقم الأزمة المعيشية، واندلاع احتجاجات واسعة سقط خلالها نحو 3000 قتيل بحسب مصادر رسمية إيرانية، وأنتج ذلك قناعة لدى بعض الدوائر بأن النظام يترنح داخلياً، وهي قراءة متعجلة؛ إذ أثبتت التجارب أن الأنظمة الشمولية لا تسقط بالتجويع ما دامت المؤسسة العسكرية متماسكة وموالية، كما في كوريا الشمالية وفنزويلا.
تدرك واشنطن هذه الحقيقة، ولذلك يبدو رهانها أعمق على ضغط عسكري محسوب قد يعيد توجيه البوصلة الداخلية الإيرانية، وربما يدفع المرشد إلى خطأ سياسي أو أمني يؤلب عليه مراكز قوة داخل النظام، وفي مقدمتها الحرس الثوري، ومن هنا جاء الحشد الكثيف في بحر العرب والخليج العربي، مقروناً بخطاب "نصرة المتظاهرين”، في وقت تُطرح على طهران شروط لا تمت للشارع بصلة:" إنهاء البرنامج النووي، كبح الصواريخ، والتخلي عن الأذرع الإقليمية" وبالنسبة لإيران، لا تُقرأ هذه الشروط إلا بوصفها استسلاماً سياسياً واستراتيجياً وتهديداً مباشراً لهوية النظام ودوره.
لذلك، نحن لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام محاولة أميركية لإعادة تعريف موقع إيران بالقوة، ومع انسداد أفق التفاوض، يتعزز الاعتقاد بأن المواجهة باتت حتمية، خاصة في ظل الحشد العسكري الضخم، والخطاب الأميركي الذي يربط تغيير النظام بإعادة تشكيل الإقليم، وبيئة إعلامية تتعامل مع الحرب كقدر محتوم، ومع ذلك، يذكّرنا التاريخ بأن الحشود لا تعني بالضرورة الحرب؛ فقد تكون أداة ضغط قصوى.
إذاً أمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول: تصعيد دون حرب، إذا نجحت الجهود الإقليمية التي تقودها مصر والسعودية وتركيا، وبدعم من دول المنطقة ومنها الأردن، في احتواء الموقف، إدراكاً بأن حرباً على إيران ستكون زلزالاً إقليمياً، الثاني: ضربة محدودة تعيد رسم قواعد الاشتباك دون انزلاق شامل، أما الثالث والأخطر، فهو حملة واسعة تستهدف النظام والبنية النووية والصاروخية، ما يفتح الباب أمام تمدد الصراع إقليمياً.
وهنا يبرز السيناريو الأسود: تفكك إيران وتحولها إلى ساحة صراع أهلي بين قوميات متعددة، تتداخل فيها صراعات الداخل مع حسابات الإقليم، فتغرق المنطقة في فوضى عميقة، وتجربتا العراق وأفغانستان شاهدتان؛ ففي الحالتين أسقطت واشنطن النظامين بتفوق عسكري ساحق، لكنها لم تمتلك تصوراً لليوم التالي، فنتج فراغ قوة ملأته منظمات إرهابية وأحزاب عقائدية مسلحة، ودخل البلدان في حروب أهلية طويلة ما زالت آثارها قائمة.
في الحالة الإيرانية، يبدو الخطر أشد: جغرافيا أوسع، تركيبة قومية أعقد، وغياب بدائل تحظى بإجماع وطني، فلا ابن الشاه ولا معارضات الخارج قادرون على توحيد بلد متعدد القوميات والمذاهب، ما يجعل سيناريو التفكك والفوضى احتمالاً واقعياً.
ومع كل هذه الحشود، قد يتكهن البعض بموعد بدء المواجهة، لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بكيفية انتهائها، ففي لحظات التهديد الوجودي، يبرز منطق "عليّ وعلى أعدائي”، ما يخرج الحدث الإيراني من إطاره المحلي، لأن انهيار إيران إن حدث لن يكون شأناً داخلياً، بل حدثاً إقليمياً زلزالياً.
في النهاية، تقف منطقتنا المرهقة من الحروب مرة أخرى بين الأساطيل الأمريكية وشروط لا يمكن قبولها إيرانياً، على حافة لحظة قد تعيدها عقوداً إلى الوراء، وبين من ينتظر الشرارة ومن يحاول كبحها، تبقى الحقيقة الأوضح: ثمن الحرب، إن وقعت، لن تدفعه إيران وحدها، بل المنطقة بأسرها.