آخر الأخبار
  الامن العام ومفوضية سلطة العقبة يوضحون حول اصابات في المنطقة الصناعية الجنوبية في العقبة   الشيباني: لن نتسامح مع أي محاولة للتأثير سلبًا على العلاقة بين الأردن وسوريا   خصومات 40% على التخزين في الصوامع لتحفيز استيراد المواد الأساسية   الأمن: مواطن عرّض حياته للخطر ونقل أجزاء مسيّرة في مركبته لتسليمها   إعفاء شحنات الغاز المسال المتعاقد عليها من الكهرباء الوطنية من الضرائب والرسوم   الحكومة : تعويض المواطنين المتضررين من سقوط الشظايا والمسيّرات   بعد الإساءات للأردن خلال تجمّع شهدته العاصمة السورية دمشق .. بيان أردني يطالب بمحاسبة المسيئين للأردن   إعلان صادر عن "امانة عمان" لسالكي طريق نفق صهيب باتجاه شارع المدينة المنورة   الامن العام يكشف تفاصيل وفاة ستيني في جرش   الأشغال: بدء العمل بمشروع صيانة وتعبيد 4 طرق في الزرقاء   دخول القانون المعدل لقانون الكاتب العدل حيّز التنفيذ   ترشيح 4500 طالب جديد لقروض صندوق دعم الطالب الجامعي بدل المستنكفين   حازم الرحاحلة يقدم مقترحات إصلاحية بشأن قانون الضمان الاجتماعي   أبو رمان يحتج تحت القبة: "تقطيع المايكروفون أمر "معيب" ويعيق النقاش"   النائبان "القطاونة" و"الحراحشة" عقب جلسة تشريعية: الأردني هو رأس مالنا الحقيقي   نواب يطالبون بمناقشة قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بالمناطق الحرة ومركبات الـ "هايبرد"   الحكومة الاردنية توضح حول إنشاء "وزارة جديدة" تخلف التربية و"التعليم العالي"   وزير المالية: ارتفاع الإيرادات المحلية 34 مليون دينار في 3 اشهر   نقل ترخيص جسر مأدبا المسائي إلى مركز الخدمات الحكومي الشامل   العيسوي: أبواب الديوان الملكي ستبقى مفتوحة أمام الأردنيين

ظواهر وقيم «غريبة عن مجتمعنا»؟!

{clean_title}
ما أن يقارف أحدهم، أو نفرٌ منهم، من أبناء جلدتنا، عملاً إرهابياً حتى يخرج عليك البعض منّا بالقول: هذا ليس منا، فعلته وثقافته وقيمه، غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وأخلاقنا.
ما أن يصدر عن أحدهم فعل ينم عن الغلو والتطرف، والضيق بالآخر في الوطن، إن لأسباب تتصل بالدين أو الجندر أو اللون أو المنبت، حتى يخرج علينا من يذكرنا بأن هذا السلوك وتلكم الممارسات الشاذة، غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وأخلاقنا.
وما أن تندلع مواجهات واسعة النطاق، في الملاعب أو الجامعات أو المدارس، حتى يخرج عليك جمع من الناس، مرددين العبارة ذاتها، ومن دون تلعثم: ثقافة وسلوكيات غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وعاداتنا.
طرقاتنا باتت مسالك للموت ومنبعاً لا ينضب لطوفان من المشاجرات والتنابذ بأقذع الألقاب والشتائم... ومع ذلك هناك من سيقول لك: هذه ليست أخلاقنا وعاداتنا وقيم مجتمعنا المتسامح.
طرقاتنا باتت أماكن غير آمنة لنسائنا وفتياتنا بفعل تفشي ظاهرة التحرش، اللفظي والجسدي، وما أن تتحدث بالموضوع مع أحدهم، حتى يجيبك بأن هذا الموضوع حساس، وأن هذه الظاهرة وافدة على مجتمعنا وغريبة عنه، وتتعاكس مع كل ما تربينا عليه من أخلاق وقيم.
يُضرب المُدرس في الغرفة الصفية، ويمنع مدير المدرسة من مزاولة عمله، ويطرد رئيس الجامعة من مكتبه، ونحن ما زلنا مصرين على أن هذه العوارض غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وأخلاقنا وتربيتنا.
يُعتدى على الأطباء والممرضات في المستشفيات والعيادات العامة والخاصة، وتطلق النار على جباة الكهرباء أو الماء، ويحال دون قيامهم بأداء وظائفهم، ويُعتدى على دوريات المرور من قبل « الفاردات»، ويتعرض رجال الشرطة، كما المواطنين، لأبشع مظاهر «التنمر»، ومع ذلك هناك من سيعاود عزف الأسطوانة المشروخة على مسامعك: قيم وسلوكيات غريبة عن مجتمعنا.
مشاجرات عائلية وعشائرية، ما أن تضع أوزارها على جبهة حتى تنفجر على جبهات أخرى، قتلى وجرحى وتدمير متبادل للممتلكات وحرق عشوائي للسيارات وإغلاقات للطرق بما فيها الاستراتيجية منها، وتلويح بإغلاق المزيد منها، ومع ذلك هناك من يقول لك: هذه ليست من شيمنا ولا تمت بصلة لأخلاق مجتمعنا وما توارثناه عن الآباء والأجداد.
تعج وسائط التواصل الاجتماعي بفيض لا ينقطع من الشتائم وهتك الأعراض والمحرمات، وتشهير وانتهاك للخصوصية، ومن تطاول على كافة المقامات وبأقذع لغة ولسان، وبما يعكس أعلى درجات الكراهية والحقد والغضب والانفجار، ومع ذلك ستسمع لمن يقول إن هذه فئة قليلة شاذة، ليست منا ولا نحن منها، وهي تخالف كل ما نشأ عليه مجتمعنا.
والحقيقة أنني عدت أتساءل عن أي مجتمع يتحدثون، وما الذي بقي من هذا المجتمع، بعد أن نطرح (أو نُخرج) منه، كل الفئات السابقة، وكيف يمكن لأفعال نكراء تتكرر، أن تكون غريبة عن مجتمعنا، وكيف لنا أن نظل مصرين على المكابرة والإنكار، ودفن الرؤوس بالرمال، مكتفين بترديد، تلكم العبارة الممجوجة، شأننا في ذلك شأن الببغاوات.
أيها السادة، لم يعد مجتمعنا كما كان، مجتمعنا اليوم، بات منتجاً لكل الظواهر التي أوجزنا بعضها، ولم نحصها جميعها ... مجتمعنا اليوم بات غريباً عن مجتمعنا بالأمس ... مجتمعنا في حالة تغير، وليس للأحسن دائماً وبالضرورة... مجتمعنا اليوم يتسم بتفاقم مستويات العنف الأفقي فيه، بين أفراده وكياناته الاجتماعية، مجتمعنا اليوم يعاني من «تضخم مرضي في ذكوريته»، فيما أعراض النرفزة والتوتر المصاحبة لمراحل الفطام الأولى عن «ضرع الدولة الحلوب» تتفشى يوماً إثر آخر.. مجتمعنا اليوم، يعاني انسدادات واستعصاءات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة.. مجتمعنا اليوم، يعاني أعراض الإخفاقات المتراكمة لكثير من الحكومات المتعاقبة. 
وزاد الطين بلّة، أننا في زمن ثورة الاتصالات والمواصلات، فالخبر لم يعد يحتاج يوماً ليصبح مجاناً و»ببلاش»، بل صار يحتاج لدقائق معدودات، وبات في متناول الجميع في لحظته، بمن فيهم الكسالى والمتثائبين فوق أسرتهم وتحت أغطيتهم.
لم يعد ينفع أن نقول «غريبة عن مجتمعنا وقيمنا»، بعد أن فقدنا «ذاك المجتمع»، وهيهات أن نستعيده، واستبدلنا «تلك القيم» بأخرى تفرز بطبيعتها ما نعانيه من ظواهر وندفع ثمنها باهظاً ... 
نحن بحاجة لاستراتيجية شاملة لاجتثاث هذه الظواهر، وإرادة صلبة وحديدية لفعل ذلك، ومنهجية علمية تتخطى أسلوب «الفزعة»، وقبل هذا وذاك، نحن بحاجة لأن نزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.