إجهاض مشروع وصفي الجديد

كان متحمسا جدا .. ما إن تم تكليفه حتى احتضن مطالب الشارع بهدوء ، وضرب بتعنت الملقي وقراراته عرض الحائط ، وعد بسحب القانون على الفور ، وأمر بصرف الرواتب قبل العيد ليرد على من صرح بعدم القدرة على صرف الرواتب للشهر الجاري لعديد من فئات القطاع العام ..
بدأت مشاعر السرور وقسمات الفرح ترتسم في نفوس الأردنيين ، أصبح التفاؤل سيد الموقف ، والتنفس بهدوء عقب شهور من الضغوط النفسية التي سببتها الحكومة ، والأيام المجهدة على الدوار الرابع ..
ولأن الرجل تقدم منذ البداية بثبات فقد استغرقت حكومته لتتشكل ما يزيد عن عشرة أيام ، ما بين مشاورات ولقاءات هنا وهناك مع الأطياف السياسية المتعددة ، كان الأمر يوحي يوما بعد يوم بانفراجة جذرية وكأن وصفي قد عاد إلينا من جديد باسم جديد وشخص جديد وفكر جديد وانتماء حقيقي ..
فمن يقارن على شكل سريع دون أن يتعمق يجد أن تطلعات الرزاز أعلى بكثير من الملقي ، فالملقي الذي صرح بخبر سار للأردنيين وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة رفع أسعار المحروقات ، يختلف جملة وتفصيلا عن عقلية الرزاز الذي أمر بصرف الرواتب قبل العيد ، إن مثل هذه الممارسات والسلوكيات السياسية التي تتشكل على صورة قرارات تعبر عن المرونة في التعاطي مع الشعب وهذا ما ملكه الرزاز وبرز في أيام ولم يظهر ولو بشكل طفيف في شخصية الملقي ..
حتى ذلك ، بقيت الأمور مريحة ، وتوعد الرزاز بتطبيق الأوامر المباشرة التي قدمت من جلالة الملك الذي صرح بتقاعس الكثير من الوزراء وكما أكد على ضرورة أن يكون في الحكومة الجديدة وجوها شابة .
جميعنا بنينا الآمال على التشكيلة المنقذة الجديدة ، وكان الأمل أن نرى وجوها جديدة وكفاءات ما زالت تنتظر قطار الفرصة لتثبت جدارتها وانتماءها العميق للوطن ، وفي تلك الفترة تسربت أخبار حول مواجهة الرزاز لضغوط تحاول أن تفرض عليه أسماء معينة وأن الأمور ليست على ما يرام بينه وبين مجلس النواب ..
وفي لغة العقل والمنطق نجد أن تحركات الرزاز من اليوم الأول لتكليفه توحي بلغة جديدة في التعاطي مع الشؤون العامة للدولة وأن النهج السياسي الكلاسيكي في طريقه إلى الزوال ، وأن خطة اصلاحية حقيقية قادمة إلينا وعليه فإن الكثير ممن في مجلس النواب لم يرحب بوجود الرزاز ..
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل تفاجئ الرزاز بفريقه الوزاري وكانت القائمة معدة مسبقا ؟
إن من ينظر لعمق هذا الرجل القادم من مدرسة فكرية وهو ذو المرجعية الاقتصادية سيدرك أنه لن يكون عرضة للسخف ليختار هذه التشكيلة الوزارية ، ومن أطال في فترة الاختيار والانتقاء للأسماء لن يخرج بوجوه مكررة ومن الحكومة السابقة أيضا ، فهذه التشكيلة مصدر حقيقي لطرح السؤال : من قام بالاختيار ؟ قطعا لم يكن الرزاز ، إنه ليس سطحيا ، ليختار بهذا المدى القصير ..
والسؤال الذي طرح يحمل في باطنه اجابة سؤال آخر ، هو من المستفيد ؟ ، لقد لعبت أياد ٍ خفية في زعزعة شعبية هذا الرجل والعمل على إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه ، وحين تدور تلك الخيوط فإنها لن تبعد كثيرا عن الفاسدين والمتنفعين وأصحاب الأجندات والكثير ممن تضر بهم نهضة الدولة واستقرارها الاقتصادي الذي ما إن يسير على نهج واقعي وحقيقي فإنه سيضرب عرض الحائط بمشاريعهم وتنفيعاتهم وامتيازاتهم ..
للأسف هناك من أسقط شعبية الرزاز وسار كما في كل مرة في برمجة الأعمال الحكومية خدمة للفساد والفاسدين ..
وهؤلاء من تلاعبوا بتشكيلة الرزاز ، يعلمون علم اليقين أن الرجل القادم سيقضي على أموال طائلة تُدر عليهم من مشاريع هنا وهناك .. فاختاروا كما جرت العادة تضييق الخناق والتلاعب في ميزان الأمور لتسير كما كانت تسير ..