حساء الملائكة

لماذا ندرس التاريخ ؟ لنتعلم العبر من الماضي و نتنبأ بالمستقبل أم لنتحرر منه ونزيد من أفقنا ومعرفة خياراتنا الأخرى التي تجعلنا ندرك أن الحاضر ليس الطريق الحتمي و الطبيعي؟
قضية طرحها "يوفال هراري" أثناء حديثه عن كتابه " الإنسان إله Homo Deus " ، يتنبأ فيه مستقبل الجنس البشري خلال العصور القادمة ، وهو الحلقة الثانية من قصة "الإنسان العاقل Homo Sapiens ". كان قد بدأ القصة في كتابه " موجز تاريخ الجنس البشري Sapiens " ، ذلك الكتاب الذي أوصى بقراءته نخبة من الشخصيات العالمية مثل الرئيس الأمريكي السابق أوباما و بيل غيتس و مارك زوكر بيرغ ، يختصر تاريخ تطور البشرية من منظور علمي الأحياء و التاريخ .
في كتابه "العقال Sapiens " يذكر هراري أن هذا النوع من البشر عاش كغيره من الكائنات الحية، مثل اليراع أو قنديل البحر ثم حدثت المعجزة خلال ما سماه الثورة المعرفية و ابتكاره اللغة، كان باستطاعة الإنسان العاقل التحدث عن أشياء غير ملموسة أو موجودة- مكنته من توظيف الخيال واختراع الأسطورة التي بها تحكّم في مشاعر الآخرين وأفكارهم ، و إقناعهم بها والسيطرة عليهم مستخدما مفاهيما كالإله والدين، والوطن، والورقة المالية ، وقدرته على العمل من خلال منظومة ذات أعداد كبيرة.
ربما لا نتفق مع هراري في كثير من أفكاره، لكن قيام بعض المدّعين –في عالمنا العربي- في تسويق "حساء الملائكة" ، و أن هناك وصفة سحرية تُستخدم فيها "الدجاجة الذهبية" يضمن لك الوصول إلى الجنة، هي استثمار لما يتمتع به " الانسان العاقل" من خيال، ليقوم بخديعة الآخرين ، هل صدّق أولئك المدّعين أنفسهم ؟
انطلق هذا الكائن من شرق إفريقيا إلى الشرق الأوسط ،أوروبا ، آسيا ،ثم لينتشر على سطح الكرة الأرضية، ماسحا أمامه أنواع البشر الأخرى:" الهومو نياندرتال " و " الهومو اريكتوس" و " الهومو دينيسوفان" والتي لم تنشأ في خط واحد ، ليصبح النوع السائد .
يسجل التاريخ لهذه الحركة الإنسانية، تغييرها لوجه الأرض و قضائها على نوعيات مختلفة من الكائنات الحية فما أصدق أن نصفه بالقاتل البيئي المتسلسل.
يصف هراري الإنسان العاقل وتعايشه في بعدين ، الخيال و الطبيعة وما فيها من مفردات ملموسة كالجبال و البحار والأشجار، ينتقل معه من مرحلة إلى أخرى بأسلوب جذاب مرح ، طرقهم في الصيد وجمع الثمار، تزاوجهم ، معتقداتهم عاداتهم الاجتماعية، يجسّدهم أمامنا ، يصف لنا اللحظة الأولى التي وضع فيها الإنسان قدمه على شواطئ أستراليا، وانتقاله من سيبيريا إلى أمريكا، معتمدا على ما وجده علماء الآثار و الأحافير و المتحجرات، و بعض الخيال ليروي لنا القصة.
ثم قيام الثورة الزراعية واستقراره ، والتي يرى فيها أكبر احتيال حدث في التاريخ، قام فيه النبات – القمح- باستئناس الإنسان و ليس العكس، فبعد أن كانت نبتة برية لا اعتبار لها، أصبحت تزرع في مساحات شاسعة، في المقابل لم يعد يتمتع بتناول نوعيات مختلفة من الأطعمة كما كان أثناء مرحلة التنقل و الالتقاط، حصر اهتمامه بزراعة نوع واحد من المحصولات، القمح أو الذرة أو البطاطا، يفتقر للمواد الغذائية اللازمة له .
وهو أساسا من الحيوانات الآكلة للنبات و الحيوان، وعليه فإن تحوله إلى الزراعة كان خاطئا لم يجلب له السعادة ولكن المتاعب، فقد أصبح معرضا للمجاعة عند حدوث الكوارث الطبيعية وفقدان محصوله ، بالإضافة لتعرضه للأمراض التي انتقلت إليه من الحيوانات التي بدأ استئناسها، لم يكن لدى الإنسان الصياد إلا كلبه فلم يتعرض لمثل هذه المخاطر من قبل .
استطاعت الأسطورة أن تجعل من القرية الزراعية، مدينة ذات أعداد أكبر ثم لتقام إمبراطوريات مثل البابلية والرومانية ، يخضع الجميع لقوانينها ، من الأمثلة على الأسطورة ما ورد في قوانين حمورابي، قيام الآلهة آنو و إنليل و مردوك بتعيين حمورابي ملكا عادلا على الأرض، هل كانت عادلة ؟ وقد كرست الطبقية وقسمت الناس إلى أسياد و عوام و عبيد، "فالعين بالعين" لم تكن تطبق إلا إذا كان الجاني عبدا، أمّا إن كان سيدا يدفع بعض المال مقابل جريمته، لكنها استطاعت فرض النظام في الإمبراطورية لأنها تعبرعن إرادة الآلهة ، وهكذا كان التاريخ .
نجحت الأسطورة عبر العصور ولم ينج منها الإنسان المعاصر، ها هو اليوم يتحكم به "النمط الاستهلاكي" وقناعته بأن سعادته تتمثل باقتناء سلع جديدة واختبار أماكن بعيدة، تتلاعب به الدعاية و الإعلان كيفما تشاء تحت شعار "اتبع فؤادك". ومازال الإنسان الأبيض يشعر بتفوقه ،فما الذي جعل الممثلة "روزيان بار" تصف "فاليري جاريت" إحدى مستشارات أوباما بالقردة مثيرة زوبعة عنصرية و نحن أبناء القرن الواحد والعشرين.
الأسطورة الثقافية و الاجتماعية، قسمت الأمور إلى ما هو طبيعي وغير طبيعي، و أعطت الرجل حقوقا و واجبات تختلف عما أعطته للمرأة: العمل في السياسة، الخدمة العسكرية، التصويت و الانتخاب، الصدارة الدينية، هل هي قوة العضلة؟ أم هو الميل إلى العنف و "هرمون التستوستيرون"؟ إلا أن الأحداث بدأت تتسارع لصالح المرأة في القرن الأخير.
ساهم قيام الإمبراطوريات القديمة - مثل الرومانية والعربية الإسلامية ،والحديثة - مثل البريطانية- في الجمع بين الناس وخلق ثقافة واحدة ذات أبعاد متعددة ، نشأ عنها لغات وأديان عالمية وقيم إنسانية مشتركة ، نجح فيها المال بأن جعل البشرية تؤمن به، في الوقت الذي فشل فيه غيره، تطور من نظام المقايضة، إلى استخدام الصَدف، فالقطعة النقدية التقليدية واليوم الحسابات الرقمية.
رافقت الثورة الزراعية ثورة دينية، كانت قوى الآلهة تُستدعى للشفاء من المرض و حماية المحصول و الانتصار على الأعداء، كانت عبادة متعددة الآلهة، ثم عرف التوحيد، بدأه "أخناتون" زمن الفراعنة، عندما نادى بعبادة "آتون"، إلى أن ظهرت الديانة اليهودية و المسيحية و الإسلامية الموحدة، و التي يدين بها العالم الآن، وتدور حولها كثير من التحالفات السياسية.
ظهرت أيضا الديانات الثنائية، الزرادشتية مثلا، التي يحكم فيها الخير و الشر أو الإله و الشيطان، وفي العصر الحديث ظهرت حركات إنسانية تشبه الديانة مثل الاشتراكية و الرأسمالية لأنها تنظم حياة الناس وفق قواعد وقيم خاصة وتعد بالجنة الأرضية لكنها لا تؤمن بكائن فوق الطبيعة .
في الجزء الرابع من الكتاب يتحدث عن الثورة العلمية وقد اعتمدت على التجربة و الملاحظة وجمع البيانات واتخذت مبدأ لها أننا لا نعرف كل شيء-عكس ما جاءت به الأديان- لتضع النظريات معززة بمعادلات رياضية، ثم وظفت اكتشافاتها للسيطرة على العالم وابتكار وسائل تكنولوجية جديدة، للقضاء على الفقر و المرض ، خضعت للأهداف الاقتصادية و السياسية و الدينية، وُظفت في المجال العسكري لابتكار أسلحة الدمار الشامل.
لماذا انطلقت تلك الثورة في أوروبا؟ لم تكن البنية التحتية فقط ولكن منظومة القيم والأساطير و البنية الاجتماعية و السياسية التي ساعدت في ذلك، ترددت أساطير حول الجنس الآري الذي يتميز بقدرة تفوّق بها على الأجناس الاخرى لكن ذلك محض افتراء، رافق الثورة العلمية ثورة صناعية عززت الرأسمالية و سطوتها على التجارة العالمية، استعبدت بها الشعوب واستنزفت مقدراتها وتركت جراحا في تاريخ الأمم و ذاكرتها.
هذه الحلقات المتتالية وما فيها من طفرات متلاحقة، انعكست على الإنسان المعاصر، تأثرت الأسرة وأصبح الفرد أقل ارتباطا بها و أكثر انحيازا للمجتمع والدولة ، و مع زيادة تكلفة الحرب و قلة مردودها شاع السلام في العالم، وقّلت فرصة قيام حرب عالمية جديدة، وأصبحت الكرة الأرضية وحدة بيئية واحدة، هذا ما يراه المؤلف.
مكّنت الثورة العلمية الإنسان العاقل من مقارعة الموت و الانتصار عليه، فقد زادت معدلات الأعمار، تلاعب بالكيمياء الحيوية والجينات لابتكار كائنات بصفات جديدة وهو الآن على حافة خلق كائنات بأجزاء عضوية وغير عضوية، وربما سيكون هناك كائنات رقمية مسيّرة وفق خوارزميات مبرمجة هي الإصدار الجديد الذي يسود الأرض في المستقبل ، فأين سيصل بعد ذلك وقد اقترب كثيرا من "عالم جديد شجاع" الذي وصفه روائيا "ألدوس هكسلي"؟ هل سينعم الكل بهذا النعيم أم هم النخبة والباقي إلى الهاوية؟
هكذا روى يوفال نوح هراري ، أستاذ التاريخ في جامعة القدس ، قصة الإنسان العاقل وتطوره منذ انطلاقته عابرا نحو المستقبل، بطريقة مثيرة، و أسلوب علمي، ربما لا نتفق معه بسبب خصوصية تفكيرنا، إلا أن قراءته ممتعة تمكننا من صياغة الأسئلة وتحفز فينا البحث و ملاحظة أثر الأسطورة في حياتنا. سعيد ذياب سليم