لامركزية الاخرين

لماذا حين يلتقي الوزراء بالادارة المحلية المنتخبة من رؤساء بلديات او مجالس محافظات تحدث الشجارات و الخلافات كما في قليل الايام الماضية ، سواء بين الوزراء و رؤساء الادارة المحلية ، او بين اولئك انفسهم ، هل يعني ذلك ان اللامركزية اما هي غير حقيقية او غير مكتملة ، او ان الادارة المحلية لم تستفد من التطورات الاخيرة بشكل واقعي ، لا على صعيد تحقيق الكفاءة الادارية في النواحي التنموية الاقتصادية و الاجتماعية ، و لا تم الحد من الجوانب البيروقراطية في الادارات المركزية التي طالما قيل انها هي السبب في تفاقم المشاكل التنموية في المحافظات البعيدة عن العاصمة ، هل ما زالت مسؤولية اتخاذ القرار الذي يخص المواطنين في المحافظات مركزية جدا بيد معالي الوزير فقط ، و لا دور حقيقي لمجالس المحافظات الحديثة النشاة؟
قد يتحجج البعض ان هذا الواقع في طبيعة العلاقة بين الوزراء و الادارة المحلية مؤقت لحين انضاج التجربة و لحين تحقق الامكانات المحلية (مواطنين و بالاخص الممثلين عنهم ) تطورا ملحوظا و مقنعا في قدراتها الادارية .
لكن دون ان يكون هناك خارطة طريق للوصول الى المرحلة المنشودة في ان تكون اللامركزية ادارية حقا و مكتملة الاركان ، يكون فيها المواطن و ممثله المنتخب مسؤلان فعلا عن واجب اتخاذ القرار التنموي في المحافظة و البلدية ، لان الحكم المحلي هو مرحلة متقدمة من الادارة المحلية يتم فيه التفويض الحقيقي من قبل الوزراء عن صلاحياتهم بشكل اوسع و اكثر استقلالية من الناحية الادارية للادارة المحلية في ظل سيادة الدولة ، و طبعا منح المجالس المحافظات و البلديات سلطات ادارية و مالية مستقلة تحت طائلة القانون ، و حيث يصبح للديمقراطية وجود حقيقي على ارض الواقع ، يستطيع من خلالها المواطن بواسطة ممثله في مجلس المحافظة و المجلس البلدي ان يسير شؤونه ، و يتخذ القرارات التي تخص حياته اليومية في جو ديمقراطي و يراها بنفسه واقعا يتحقق امام عينيه .
في البلدان التي يكون فيها مجلس محافظة ممكن بالصلاحيات و الاستقلال المالي و الاداري و مسؤول عن ادارة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و ادارة و تمويل الخدمات العامة المختلفة ، من ميزانية الدولة او من ميزانية المحافظة و البلدية ، تستطيع مجالس المحافظات ان تنشئ و تنفذ برامج و مشاريع تنموية ممولة من ميزانية المحافظة ، و من ميوانية الدولة ، و كذلك ان تشترك المحافظات في مشاريع تنموية مشتركة ، بل و تستطيع ان تدخل في مشاريع ممولة دوليا ، و ان تدخل في اتفاقيات تمويل مع محافظات او مؤسسات خارج البلاد ، قد يبدو هذا بعيد المنال فيما يخص و اقعنا ، لكنه واقع يومي حقيقة تقوم فيه مجالس المحافظات بواسطة الادارات الحكومية والمؤسسات التابعة لها باقامة المشاريع في مختلف القطاعات ، كانشاء و صيانة و اعادة تاهيل الطرق بين المدن و القرى و المحافظات و كذلك النشاطات الثقافية اليومية من مؤتمرات دولية و محلية و مهرجانات و حفلات و معارض فنية و تراثية فلكلورية و دعم نشاطات السياحة و ترويجها دوليا و محليا و الزراعة و الثروة الحيوانية و كذلك الصحة و التربية و التعليم ...باختصار جميع الخدمات التي تدريرها بالكامل الوزارات عندنا ، هذه المجالس قادرة و تقوم فعلا من اجل تطوير مجتمعاتها بعقد الاتفاقيات مع منظمات و مؤسسات دولية لتمويل انشطتها و مشاريعها التي تنفذها المؤسسات و الادارات و الهيئات التي تتبع لها في المحافظة و كذلك المؤسسات الاهلية و الجمعيات الخيرية و المنتديات و غيرها من مؤسسات مجتمع مدني التي تتعاون معها لحل مختلف المشاكل التنموية و الاجتماعية و الزراعية و غيرها في المحافظة .
و في اجواء من التعاون و التنظيم الذي لا يعود فيه للخلافات و المشاجرات بين اي من الاطراف اي مجال او بيئة تساعد في ذلك ، تنمو الاوطان و تزدهر المشاريع التنموية و تتحسن معها معيشة المواطن .