في الأردن .. قامات لا تنحني .. روحها في القدس .. وقلبها في عمان .. الرفاعي

القامات السياسية العظيمة تكون في عطاءها ممتدة ومستمرة وعميقة الانتماء ..
وفي محن الوطن تتكشف وجوه ويخبو البريق عن وجوه أخرى ..
ما لا يغيب عن دولة رئيس الوزراء السابق سمير الرفاعي حسن الخطاب وسعة الأفق والمبادأة المستمرة في التعبير عن صوت الوجدان الأردني الرسمي والشعبي ، فما بين اللباقة وبراعة الأسلوب وجزالة الكلمة وجرأة المنطوق ورجاحة الرأي يجوب بحنكته وواسع اضطلاعه ..
وفي لقاء تلفزيوني له على شاشة التلفزيون الأردني ، حل دولته ضيفا قوي الحضور وعميق التحليل ، وهذا ليس بالأمر الجديد أو المستحدث لدولته فهو الناشط والسياسي وصانع القرار والوطني والخبير كما عرفناه وسطرته الذاكرة السياسية الممتدة حتى يومنا هذا .
وقد جذبني في الحوار الذي جرى مع دولته ، تفكيكه المنطقي لقضية القدس عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنها عاصمة لاسرائيل ، فقد توشحت كلمات الرفاعي بقوة الاستنكار وبضرورة النظر للأمام وكما تحدث في نقطة هامة حيث أن الوضع النهائي أصبح في المقدمة مما أحدث خللا في المفاوضات ، وأكد دولته على أن هذا القرار غير قانوني فإما إلغاؤه أو إعلان القدس عاصمة لفلسطين .
وتطرق الرفاعي كعادته بنظرته الشاملة للأمور إلى أهمية القدس التي تعد جزءا من تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا ، وأن ما حدث في السنوات السبع الأخيرة من قتل واقتتال وانشغالات الدول العربية الداخلية غير من ترتيب الأولويات ، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان فهذا القرار هو ما تمخض بشكل ختامي عن الربيع العربي ..
ولأن الحديث في كنا لا يفيد ، وفي الحديث عن الأخطاء والخلافات لا يكفي ، فقد بحث الرفاعي في ضرورة إعادة مركزية القضية وحل جميع المشاكل الأخرى وتركيز الضوء على اسرائيل حيث أنها ستتمادى بشكل أكبر إذا ما لم يتم إيقافها ..
ونبه الرفاعي إلى نقطة هامة أخرى حيث وضح أن مايحدث في المنطقة من مشاكل وأزمات نقل رسالة للعالم بأن المسلمين والعرب يقتتلون وعليه فمن الضروري حل المشكلات وفند ذلك بمحاور متعددة على المحور العربي - العربي ، والمحور العربي - الإسلامي ، وأخيرا المحور الفلسطيني - الفلسطيني .
وأعجبتني كلماته الواقعية جدا حين استذكر بأن الاحتلال الاسرائيلي هو الاحتلال الوحيد في العالم في وقتنا الحالي ، وهو الاحتلال الوحيد الذي يعتقد بأنه الضحية..
وفي ذكاء إدارة الازمات التي تعلمها من مدرسته - الرفاعية - العريقة ، سلط الضوء على أهمية أن نستثمر هذه اللحظة التاريخية فقد انتفض العالم مع العرب ومع القضية ، لذا فيجب تقديم أحسن وأفضل ما لدينا لحل هذه المشكلة وبالتالي لابد من توحيد الصفوف العربية ، والتحرك نحو الاتفاقات العربية والاسلامية ، والحديث عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية وموضوع اللاجئين ، من حيث عودتهم وتعويضهم .
وفي خضم هذا الحوار الذي رسم صورة واضحة ومتكاملة لخطورة الموقف ، فقد قال الرفاعي كلمة جوهرية "إعادة الأرض مقابل السلام وليس الأرض مقابل السلام" ، وأن اسرائيل تريد الأرض والسلام وهذا أمر مستحيل .
كما وعرج على الموقف الامريكي الذي خلق نوع من ضعف الثقة مابين الجانب الفلسطيني والأمريكي عقب هذا القرار ، ومن صعوبة بقاء الولايات المتحدة راعية للسلام عقب هذا القرار ..
ولأنه رجل يعمل أكثر مما يقول ، فقد أكد على عدم الاكتفاء بالتصريحات ، حين هنالك ما هو أهم ألا وهو وضوح المواقف ، وأكد على إيجابية المواقف وعلى رأسها تحركات جلالة الملك على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي ..
وعاد ليؤكد فكرة استثمار اللحظة ليدعمها بضرورة استثمار الشعور الدولي اتجاه الفلسطينيين والقدس ، فإما التراجع عن هذا القرار أو إعلانها عاصمة فلسطين.
وحين سأله المذيع سؤالا ذكيا حول المصالح مع الولايات المتحدة والموقف من هذا القرار ، فكانت الإجابة أذكى بأن المصالح لا تأتي على حساب القضية ، وإن أي تنازل عن المبادرة العربية سيكون كارثيا ، وأن المصالح في جهة والعلاقات في جهة أخرى أما المواقف تجاه فلسطين فهي في جهة مختلفة فالحق العربي والانساني هو الأهم ..
وفي البحث في النواتج نعود للمسببات ، عندما وضح دولته بأن هذه الأزمات تغذي التطرف والكراهية والانغلاق في المنطقة ..
ولم ينسى أهمية الوصاية الهاشمية التي وردت في أحد بنود اتفاقية السلام على الرغم من أنها وصاية أزلية ، لذلك يجب النظر في معاهدة وادي عربة وكيف خرقت ، والحديث مع المجتمع حول الوصاية ، وما يترتب على هذا القرار مع هذه الوصاية .
ولدحر المتآمرين وفي درب الانتماء وايصال الحقيقة عبر دولته وبصدق عن الموقف الأردني الواحد شعبا وملكا وأن هذا ما يميز الأردن تلاحم القيادة مع الشعب تلاحما حقيقيا على مبادئ حقيقية ..
وثمن دولته أهميه الوصاية الهاشمية في عدة مواضع بدءا من جد الهواشم الأعظم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ، حيث تعد القدس أولى القبلتين ، مكان الرعاية الهاشمية ، وفيها قبر قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي ، وقبر شهيد الأقصى الملك عبد الله المؤسس ..
وللأمانة يعتبر هذا اللقاء التلفزيوني مع دولته الراسم الأكثر دقة لما حدث والمعبر بقوة لموقف الأردن وأهميته ويعود ذلك لوعي دولته وواسع فهمه وخبرته ..