وادي القمر سر الصحراء

كانت الشمس شديدة التوهج، يهب هواء ساخن، و مكيف الهواء في السيارة يلهث محاولا تلطيف الجو، سرنا قرابة أربع ساعات في الطريق الصحراوي باتجاه الجنوب، كطفل حاف القدمين، يقفز سائرا فوق اسفلت الشارع، خلت سيارتنا، خلف الركب، تركنا الشارع الرئيسي قبل الوصول إلى العقبة بخمس وعشرين كيلومتر، واتجهنا شرقا باتجاه وادي رم.
كان الليل قد أسدل عباءته، و أطفأ النهار ضوءه ، عندما اقتربنا من مكان التخييم، منعتنا الكثبان الرملية من الوصول بسياراتنا إلى المخيم، فأوقفناها على بعد مئتي متر، و خضنا في بحر الرمال و العتمة، استقبَلنا القائمون على المخيم بحفاوة أهل الجنوب وكرم ضيافتهم، كانت أنوار مصابيح كهربائية خافته تنتشر في مرافق المخيم، جلسنا للراحة قبل تناول العشاء، وقد تم إعداد الزرب بالطريقة التقليدية.
كل منا اختار زاويته المفضلة، أزلنا عنا قليلا من تعب السفر، ثم تحلقنا حول الحفرة التي يدفن فيها الزرب، نشاهد طريقة اخراجه و اعداده للتقديم، علت الهتافات أثناء ذلك وكأنّا نشاهد مباراة في "المباطحة" ، ثم اتجهنا باتجاه خيمة المطعم لتناول العشاء.
في وسط المخيم، توجد ساحة مخصصة للسهر حول موقد للنار، اخترنا مجالسنا، كان فوق رؤوسنا طريق درب التبانة، يعبر السماء ، آلاف النجوم المتلألئة تظهر في مجموعات وفرادى، صنعتها خيالات الانسان منذ بدء الخليقة، ذاك هو الصليب الشمالي، و تلك كوكبة الدجاجة، وذاك هو النسر الواقع، التي تمثل مجتمعة مثلث الصيف الشهير، شمالا ترى ذات الكرسي وقبالتها بنات نعش الكبرى، في سماء صافية، تخلو من تلوث المدن وما فيها من أضواء تحجب الرؤيا، تستطيع أن تبحث عن نجمك و تتابع تحركه خلال الليل، نجوم تختفي و أخرى تصعد رويدا رويدا، في مشاهدة عجائبية نادرة.
كانت ليلتنا صاخبة، أطفال، فتيان و فتيات يلعبون في ضوء القمر، تغوص أقدامهم في الرمال، يضحكون يصرخون بطريقة مرحة، تردد الجبال المحيطة صدى ضحكاتهم، يلاحقون بعضهم بعضا، عز علينا نهرهم، واستسلمنا لفرحتهم حتى أخذ منهم التعب ما أخذ، فتحلقوا حولنا في حديث استمر حتى الفجر، سرقنا ساعة من النوم ، فإذا هي سيارات الدفع الرباعي حاضرة لنستقلها في جولة صباحية نستقبل فيها شروق الشمس.
سرنا قليلا من الوقت ثم توقفنا في منبسط ، يميل لون رماله إلى اللون الاحمر، تحيط به جبال القمر، في الدقائق التي تسبق شروق الشمس، جُلنا في المنطقة، تدافع البعض منا وسقط على الرمال، أخذنا صورا تذكارية، ثم بدأ الشروق، من خلف تلال بعيدة، أطلت علينا عين الشمس من بين أهداب نعسة، استولت علينا لحظات تأمل ودهشة، من أين يأتي هذا السكون الذي يرافق رؤيتنا للشمس، لحظة ولادة النهار، لا تخلو من رهبة، أحس بقداستها الانسان الأول فخشيها، صعدت الشمس قليلا إلى السماء، وتحركت بنا السيارات في انحاء المحمية .
كانت حولنا جبال غريبة، يرسم عليها نور الشمس الذهبي مع الظل لوحات فنية فريدة تتداخل فيها الألوان، ذات تشكيلات نادرة، تجلب إلى الذهن تضاريس كواكب بعيدة، لهذا سُمي وادي القمر، وقد اختارته السينما العالمية لتصوير سطح المريخ في فيلم المريخي "The Martian". من بعيد تخدعك المناظر على سفوح الجبال لتبدو كنوع من الكتابة، خطتها يد الطبيعة وعوامل الحت والتعرية، فإذا اقتربت بدت كقطع الشوكولاتة الذائبة.
تحركت بنا السيارات بين أخاديد جبلية، وديان و صخور انهارت بفعل عوامل التعرية، نباتات عطرية في حضن الجبل، شجيرات الغضا تنتشر في الكثبان الرملية، طيور الحمام البري في أعالي الجبال، حدثنا دليل رحلتنا عن طيور مختلفة مثل " الزريقي" وغيرها تنتشر في المحمية. وقفنا في اطلالة ترى منها وديان و أخاديد بعيدة الغور تحت قدميك تستولي عليك روح المغامرة.
عاودنا النزول في أحد الوديان، تسلق البعض منا كثيب رملي ، وتدحرج البعض عليه، ليعاود تسلقه مرة تلو المرة، متمرغا في الرمل، يحاكي شقاوة الطفولة الأولى، جلسنا في أحد بيوت الشعر القريبة، تناولنا الشاي المُعدّ على الحطب، ذو النكهة الخاصة، بفعل خلطة من الاعشاب العطرية، ترى في القريب نحت يمثل وجه لورنس، وكأنه يقول مررت من هنا، يذكّرك بغموض شخصية ذلك الانكليزي وقصته التي جمعت الشرق بالغرب.
لا تستطيع استكشاف وادي رم في جولة واحدة، تحتاج لعدة زيارات، ودليل يأخذك إلى مواقع مختلفة تشاهد فيها، الكتابات العربية والآثار القديمة التي خلّفتها الحضارات السابقة، طرق القوافل وركوب سفينة الصحراء، سحر الطبيعة الأخّاذ حين يحاورك في الليل و النهار، تاركا في القلب حزنا للفراق، و وعدا بزيارة أخرى ترى فيها الأصالة و الشهامة والطيبة، التي ميزت أهل الصحراء.