عكس التيار

في المحن تختبر السرائر ، وليس ما بالمظهر مطابقا للمخبر ، والمواقف خريف العلاقات ، وفي المواقف تتفرع الآراء وتتشعب التوجهات فتارة تجد من لا دخل له بشيء ذاك الذي تقوقع على نفسه في قمقم الانعزال معلنا اللامبالاة وعدم الاهتمام نحو جميع ما يدور من حوله ، ومن جانب آخر تجد من يحارب ضد التيار - تيار الزيف - معلنا تمسكه بمبدأه الذي فيه يدافع عن الوطن والهوية بعد أن تكالبت على دربه وحوش الفساد مزمجرة ومفزعة إياه دون ان تعلم أنه لن يأبه بكل تلك المحاولات لتثنيه عن هدفه نحو الحقيقة ، وهناك من يغرد في سرب النفاق محلقا في أفق الظلام باع نفسه لأهوائه وجشعه عبر وكلاء الشيطان الذين رموا له الفتات ليظل كالذيل يتنقل خلفهم أينما ذهبوا ... وتتعدد النماذج وتختلف الوجوه ، ولأن النور طريق واحد والظلمات متعددة الطرقات والمآرب ، فلن تجد للحقيقة إلا وجها واحدا لا ريب فيه ، وفي مضمار الحياة مما تعاني ومهما تقاسي ومن أية جهة تظلم ثق تماما أن الله على كل شيء قدير ، وما نسجت حروفي بهذه الطريقة إلا عندما تذكرت اقتراب موعد الانتخابات المقبلة بشقيها ( البلدية ، اللامركزية ) ، فكم من شخص الآن باع نفسه !!، وكم ممن هم يعلمون أن الانتماء ليس مجرد أغان وطنية نرددها أو صورا وشعارات ننشرها هنا وهناك ، فهذه الانتخابات وتحديدا أقصد اللامركزية تختلف كثيرا عن الانتخابات البرلمانية ، فهي كالفخ لكل من اراد دخولها طلبا للوجاهة والمنصب ، فالنائب في كثير من الأوقات ما إن ينجح يغير عنوانه وينتقل للعاصمة وتنتهي او تضعف قناة الاتصال بينه وبين ناخبيه ، أما في حالة اللامركزية فسيظل قابعا في المحافظة نفسها ولن ينجو من توجيه أي "مساءلة مباشرة" من ناخبيه في حال تقاعس عن تقديم الخدمات بالشكل المطلوب والموكول إليه إداريا ووظيفيا ، فالمساءلة مكشوفة وواضحة ولا مجال للتهرب منها . .
إن الوطن مرآة حبنا ، وخزان وجودنا ، وذاك الخيط المعلق ما بين روحنا وقلوبنا ، فعلينا أن نوفيه كل حقوقه ، وحين تنطلق الانتخابات نهب لنجدته وإعلاء شأنه باختيار الأنسب بعيدا عن التعصب والعصبية أو خلفية مهنية أو اخرى عشائرية ، فأيا كان لأنه الأجدر هو الذي يستحق صوتنا ، فهذه الانتخابات بداية الطريق نحو نماء المدن واستصلاحها لكن الأمر مرهون بمن هم على قيد الوطن والانتماء ، والجدير بالذكر أن اللامركزية تمنح كل محافظة الميزانية التي تناسبها ( نسبة وتناسب مع المساحة والكثافة السكانية والاحتياجات ...) ، وسيعمل هذا المجلس على النهوض بالحياة الاقتصادية في المحافظة وتوفير المناخ الملاءم للاستثمار ، فهي فرصة رائعة لقيام المشاريع وتخفيف البطالة والكثير من المعضلات التي ستحل ، فعلينا ان نختار بعقولنا لا بروابط دمنا أو بعلاقاتنا . . فقط .. فقط إن كنا نعشق ثرى هذا الوطن بكل جدية .. فنجاح الانتخابات مرهون بالمسافة التي ما بين ضمائرنا وما بين قراراتنا واختياراتنا ..