جراءة نيوز -المهندس عبدالحميد الرحامنة يكتب ..
في بلدي الأردن، كما في كل دول العالم، قد يخطئ المسؤول في تقدير موقف، أو يتخذ قراراً لا يحقق أهدافه، أو يفشل في إدارة المؤسسة التي أوكلت إليه. فالخطأ جزء من العمل العام، لكن ما يميز الدول التي تحترم مؤسساتها هو ما تفعله بعد وقوع الخطأ.
المشكلة ليست في أن يخطئ المسؤول، وإنما في أن تمر بعض الأخطاء الكبيرة دون أن نعرف بوضوح: ماذا حدث؟ ومن اتخذ القرار؟ وهل كان هناك تقصير أو مخالفة؟ وما الذي تم اتخاذه لمنع تكرارها؟
في دول عديدة، مغادرة المسؤول لمنصبه لا تعني بالضرورة انتهاء مسؤوليته ، فقد تترتب على القرارات الخاطئة، بحسب طبيعتها، مسؤوليات إدارية أو مالية أو قانونية ، أما عندنا فقد يحدث أن يغادر مسؤول موقعه بعد إخفاق واضح، ثم نراه في موقع آخر، دون أن يعرف المواطن إن كانت هناك مراجعة حقيقية لما حدث.
وهنا يبرز السؤال: هل تغيير المسؤول يكفي، أم أن المطلوب معرفة أسباب الخلل وتحديد المسؤولية؟
خذوا مسيرة الحكومة الإلكترونية في الأردن مثالاً : كنا من أوائل دول المنطقة التي دخلت هذا المجال، وامتلكنا خبرات وكفاءات ومشاريع طموحة ، ومع ذلك وبعد سنوات طويلة، ما زالت الخدمات الرقمية تعاني من تفاوت في مستوى التكامل والربط بين المؤسسات، بينما تتعدد الأنظمة والمنصات دون أن يشعر المواطن دائماً بأنه أمام حكومة إلكترونية تعمل كمنظومة واحدة.
وهذا لا يعني إنكار ما تحقق، ولا تحميل المسؤولية لشخص بعينه، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: أين كانت المراجعة عندما بدأ المشروع يبتعد عن أهدافه؟ ومن كان يملك الصلاحية لمتابعة المسار وتصحيح الانحراف في الوقت المناسب؟
الأمر ذاته ينطبق على قرارات اقتصادية وإدارية شهدها الأردن خلال السنوات الماضية، كان لبعضها آثار كبيرة، بينما بقيت في حالات كثيرة علامات الاستفهام أكبر من الإجابات.
ولعل ما رافق بث المباراة الودية بين منتخبنا الوطني والمنتخب السوري الشقيق أعاد هذا النقاش إلى الواجهة ، فالغضب الجماهيري الذي رافق سوء البث لم يكن مجرد انزعاج من خلل فني؛ بل فتح باباً مهماً حول آلية اتخاذ القرار، واختيار الجهة المنفذة، ومدى ملاءمتها للمهمة.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: من سيُقال أو من سيستقيل؟
بل: من اتخذ القرار؟ وما المعايير التي استند إليها؟ وهل كانت الجهة المختارة مؤهلة؟ وهل حدث تقصير يمكن تحديده ومساءلة صاحبه؟
إذا ثبت وجود خطأ أو إهمال، فإن المعالجة الصحيحة لا تكون بإغلاق الملف بعد تغيير الأشخاص، وإنما بتطبيق الأنظمة والقوانين وتحديد المسؤوليات، حتى لا يتحول الخطأ إلى سابقة تتكرر.
نحن لا نريد مسؤولاً يخشى اتخاذ القرار خوفاً من العقوبة، كما لا نريد مسؤولاً يتخذ القرار دون أن يفكر في عواقبه ، المطلوب هو التوازن: مسؤول يمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار، ونظام يراجعه عندما تكون هناك مخالفة أو تقصير أو هدر أو ضرر.
فالمنصب العام ليس ملكاً لصاحبه، وإنما أمانة مؤقتة ، ومن يتولى موقعاً عاماً يتحمل تبعات قراراته، سواء جاءت بالنجاح أو كشفت عن خلل يستوجب المعالجة.
الأردن لا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه القوانين، ولا تنقصه الرغبة في التطوير. ما نحتاجه أكثر هو ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل المساءلة جزءاً طبيعياً من الإدارة، لا رد فعل غاضباً بعد وقوع المشكلة.
وعندما يعرف المسؤول أن قراره سيخضع للتقييم الموضوعي، وأن النجاح سيُقدّر، والخطأ سيُراجع، والتقصير سيُحاسب عليه وفق القانون، فإن الإدارة تصبح أكثر جدية، والقرارات أكثر انضباطاً، والمؤسسات أكثر احتراماً.
نحن لا نبحث عن كبش فداء بعد كل خطأ، بل عن جهة تعرف أين أخطأت، ولماذا أخطأت، وكيف تمنع تكرار الخطأ.
تلك ليست قسوة على المسؤول، بل حماية له وللمؤسسة وللدولة.
وفي النهاية، تبقى القاعدة الأهم:
هيبة الدولة لا تُبنى بعدم محاسبة المسؤول، وإنما بثقة المواطن بأن المسؤول، مهما كان موقعه، يخضع للقانون.
المهندس عبدالحميد الرحامنة