آخر الأخبار
  الأمانة : إيقاف خدمات رخص الأبنية مؤقتاً اعتباراً من صباح الجمعة   مصادر رسمية : إحالة 10 أشخاص للقضاء بتهمة تسريب وثائق رسمية   قطر: نرفض تقارير إعلامية "إسرائيلية" زعمت موافقتنا على المشاركة بعمل عسكري ضد إيران   المكتب الإعلامي لحكومة دبي ينفي أنباء انفجارات وسط المدينة   الصفدي: لا توجد قواعد أميركية في الأردن   وزير الاقتصاد الرقمي: 15 مركزا للخدمات الحكومية تعمل حاليا في مناطق مختلفة   جلسة حوارية نوعية بعنوان "مكافحة المخدرات وتمكين الشباب   ضباط إلى التقاعد - أسماء   تفاصيل حالة الطقس في المملكة حتى الاحد   الكشف عن عدد اللاجئين السوريين ممن عادوا لبلادهم خلال 18 شهراً   التعليم العالي عن الغاء الشامل: ضوابط جديدة للتجسير تصون العدالة   الإغاثة اللبنانية: مساعدات الأردن تزيد القدرة على مواجهة أزمة النزوح   وزراء النقل والصناعة والزراعة يبحثون تعزيز أسطول البرادات الأردنية   الحاج توفيق: تأسيس مجلس أعمال أردني–صيني وإطلاق مجلس لرواد الأعمال   الكساسبة يؤدي اليمين الدستورية في مجلس النواب الأحد   المزارعون يسلمون الحكومة 100 ألف طن قمح وشعير   الأردن يدين الاعتداءات الإيرانية المتكررة على البحرين والكويت   "الإفتاء" تصدر ما يزيد على 6 آلاف فتوى طلاق في حزيران   اقتران القمر والزهرة يزين سماء الأردن مساء الجمعة   "النقل البري" تبدأ بتركيب أنظمة النقل الذكية على حافلات خط معان – عمّان

القرن الأفريقي والبحر الأحمر: ساحة جديدة للصراع

Friday
{clean_title}
جراءة نيوز - الدكتور منذر الحوارات يكتب ..

رسّخت قناة السويس الأهمية الجيوسياسية للقرن الأفريقي ومضيق باب المندب، وحوّلتهما من مجرد ممرٍّ بحري إلى مرآة للتوازنات العالمية، وقد ازداد هذا الوزن خلال الحرب الباردة حين أصبح القرن الأفريقي ساحة تنافس بين القوى العظمى، ومع انتهاء تلك المرحلة، وتراجع الاهتمام الدولي المباشر، تزامن ذلك مع انهيار الدول وضعفها، خصوصاً في الصومال والسودان واليمن، ما حوّل المضيق إلى منطقة غير منضبطة أمنياً، وفتح الباب أمام القراصنة وصيّادي الفرص، غير أن حرب غزة أعادت تعريف باب المندب، وحوّلته من «ممرٍّ خطر» إلى أداة ضغط إستراتيجية، وأثبتت أن قوة عسكرية واحدة قادرة على تعطيل التجارة العالمية، وأن هذا المضيق أخطر وأكثر هشاشة مما كان يُتصوَّر.
ترافق ذلك مع ما يمكن تسميته بـ«إعادة اكتشاف أفريقيا»، فبعد أن أُشبِعت القارات الأخرى استثماراً وإنتاجاً، وتراجعت فيها هوامش الربح، برزت أفريقيا باعتبارها أرضاً بكراً لا تزال بحاجة إلى استثمارات وبنى تحتية تبدأ من نقطة الصفر، هذا الواقع فتح شهية القوى الاقتصادية العالمية، وكان العامل الثاني الذي حوّل باب المندب والقرن الأفريقي من نقطة عبور بحري إلى مدخل رئيسي لعمق القارة الصاعدة، وباعتباره يربط قناة السويس بالمحيط الهندي، ويصل آسيا بأوروبا، بات هذا المضيق عصباً أساسياً للتجارة والاستقرار العالمي، ليصبح القرب منه أو التحكم به أداة قوة أو ضعف لا تقل تأثيراً عن الجيوش.
كل ذلك حوّل القرن الأفريقي ومضيق باب المندب إلى ساحة تجاذب دولي وإقليمي، تقاطعت فيه مصالح القوى الكبرى مع القوى الصاعدة والطامحة، وتحول القرن إلى نقطة مزدحمة بالمتنافسين، ويعكس ذلك عدد القواعد العسكرية في جيبوتي، كما تنطق به النيران المشتعلة على الضفة اليمنية والضفة الأفريقية للبحر الأحمر، فلا نرى اليوم سوى دول أنهكتها الحروب، كما في اليمن والسودان والصومال، إلى جانب أثيوبيا الباحثة عن منفذ بحري، وأريتريا ذات الموقع الحساس، ما يحوّل هذه الدول إلى ساحات صراع بالوكالة، هذا التداخل بين التنافس الدولي، والصراعات الإقليمية، وهشاشة الدولة الوطنية، يجعل القرن الأفريقي وباب المندب والبحر الأحمر نقطة اختناق جيوسياسية شديدة الخطورة، حيث يمكن لأي اضطراب محدود أن يتحول إلى أزمة كبرى.
 في هذا السياق، يبرز التواجد الإسرائيلي في القرن الأفريقي، ويُفهم الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» بوصفه خطوة تتجاوز الرمزية السياسية إلى إعادة تموضع جيوسياسي مدروس، فإسرائيل تسعى إلى كسب موطئ قدم في القرن الأفريقي وباب المندب وخليج عدن، بما يمنحها عمقاً أمنياً وبحرياً إضافياً، ويعزز قدرتها على التأثير في واحد من أخطر ممرات التجارة العالمية، غير أن هذا التواجد يحمل مخاطر جسيمة، في مقدمتها تكريس منطق الاعترافات الانتقائية بالكيانات، دون احترام القانون الدولي أو سيادة الدول، بما يسهم في تدويل النزاعات وفتح الباب أمام سباق نفوذ إقليمي ودولي، ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة ذات انعكاسات خطيرة على ضفتيه العربيتين.
 وبالتالي، فإن تداعيات التموضع الإسرائيلي في القرن الأفريقي والاعتراف بـ«صوماليلاند» لم تعد محصورة في المصالح الإسرائيلية المباشرة، بل باتت تمسّ أمن ومشاريع دول عربية محورية هي مصر والسعودية والأردن، ففي مصر، ينعكس أي اضطراب في البحر الأحمر مباشرة على قناة السويس، بما يعنيه ذلك من تهديد لأحد أهم مصادر الدخل القومي والاستقرار الاقتصادي، وفي السعودية، يشكّل هذا التموضع تهديداً لضفتها الغربية المشاطئة للبحر الأحمر، ويضيف عامل عدم يقين إلى مشاريعها الإستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع ربط مياه الخليج العربي بالبحر الأحمر، فضلًا عن تعريض منطقة نيوم لمخاطر أمنية متزايدة، تتضاعف مع التطورات في اليمن وسيطرة قوات المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة وما تحمله من ارتدادات على الأمن السعودي، أما الأردن، فإن إطلالته البحرية الوحيدة عبر العقبة تصبح عرضة للاختناق، ما يرفع كلفة الشحن وأسعار السلع، ويغذّي الضغوط التضخمية، بما قد ينعكس تراجعاً اقتصادياً وارتفاعاً في معدلات البطالة، وهكذا، تتحول اضطرابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى عامل ضغط مباشر يضع مستقبل هذه الدول رهينة لمسار الصراع في هذا الحوض الحيوي.
 في الختام، لم يعد ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب اضطراباً عابراً، بل خطراً إستراتيجياً يهدد أمن واستقرار الإقليم بأكمله، وقد تصاعد هذا الخطر مع التواجد الإسرائيلي المتنامي، وتفاقم بفعل تفكك الدول الأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، إضافة إلى اليمن، من هنا، تبرز ضرورة تحرك جماعي عاجل عبر إنشاء منتدى إقليمي خاص بالبحر الأحمر، يتضمن قوات مشتركة ذات طابع أممي، تشارك فيها جميع الدول المشاطئة دون هيمنة أي طرف، لضمان أمن الملاحة والاستقرار، فبدون ذلك، قد يغدو البحر الأحمر بؤرة صراع جديدة تُفتّت دول المنطقة وتدفعها نحو مستقبل سياسي واقتصادي بالغ الخطورة.