آخر الأخبار
  القضاة: اتفاقية الرسوم الجمركية الجديدة مع الولايات المتحدة ترفع القدرة التنافسية للمنتجات الأردنية   البحث الجنائي يكشف جريمة قتل طفلة تبلغ 13 عاماً في محافظة الكرك بعد محاولة ذويها الإيهام بغرقها   الملك ينعى الرائد المتقاعد جنكات: فقدنا رفيقاً عزيزاً في السلاح   التربية والتعليم في الأعيان تقر معدل "الجامعات الأردنية"   مندوبا عن الملك وولي العهد .. العيسوي يعزي الخصاونة وأبو رمان والعواملة   ارتفاع أسطول النقل العام 7.8% في الربع الثاني من 2026   العموش: بعد نصف قرن تذكرت الحكومة أن المؤسسة المدنية خاسرة   ترامب يدرس توسيع العمليات العسكرية ضد إيران في الأيام المقبلة   توجيه صادر عن رئيس الوزراء جعفر حسان بشأن مستشفى الرمثا الحكومي   المواصفات والمقاييس تتحقق من 29 ألف أداة قياس خلال 6 اشهر   إيقاف مخبز كبير في جرش وإغلاق وإنذار 7 معامل داخله   615 لاجئا غادروا الأردن لإعادة التوطين في بلد ثالث منذ بداية 2026   حملة تطيح بأكبر سارق مياه في العقبة .. 3500 م3 يوميا تباع لمصانع وفنادق   321 ألف تصريح عمل ساري المفعول .. ولا تمديد لتوفيق الأوضاع   هذا ما تم ضبطه وإتلافه بعدد من الملاحم والمطاعم في مدينة السلط   مجلس النواب يقر الغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية   550 شخصية يصدرون بيانا بشأن الاعتداءات الإيرانية على الأردن (اسماء)   العقيلي يحذر من السيناريو الاخطر وأحصنة طروادة   الملكية الأردنية الناقل الرسمي لمهرجان جرش للثقافة والفنون   هل نتحمل المخاطرة أم نتجنبها؟ كيفية قراءة معنويات السوق العالمية قبل التداول

النَّسْرُ لا يَمُوتُ إلا مَنْتَحِرًا

Tuesday
{clean_title}

 هذهِ الصورةُ فازتْ بجائزةِ بوليتزر عام1994،هزَّتْ الضميرَ العالمِيِّ ،التُقِطَتِ إباَّنَ مَجاعَةِ السُودان الشهيرةِ ،لِطفلٍ سُودانِيّ جائعٍ يزحفُ نحو مُعسكرٍ لتوزيعِ الطعامِ الخاصِّ بالأممِ المتحدةِ ،والذي يَبعُدُ مسافة كيلومترٍ مِن ذلكَ المكانِ ،ويَظهرُ في الصورةِ نَسْرٌ يتربّصُ بالطفلِ في انتظارِ سُقوطِهِ ميتًا ليلتهمَهُ ،بعدَ أنْ فقدَ أمَلَهُ في الحياةِ ،وفقدَ كلَّ أدواتِ الحركَةِ ،واتصالِهِ بالأشياءِ ،ونضبَ مِن جسدهِ مَعينُ الحياة .

وقدْ أودَتْ هذهِ الصورةُ بحياةِ مُصوِّرِها "كيفينْ كارتر" ،بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ مِن التقاطِها ،فقدْ انتحرَ بسببِ حزنِهِ الشديدِ على ذلكَ الطفلِ . أنعمتُ النظرَ فِي الصورةِ ،فلمْ أُصَدِّقْ ما رأَته عينايَّ ،فقلتُ في نَفسِي :أيّ العذاباتِ كِيلَتْ إلى هذا الجسدِ ،أينَ هي الرحمة ؟؟!

فلمْ يَطُلْ بي المَقامُ ،ثمّ قلتُ :هذهِ هي الجِبلَّةُ التِي فُطِرَ عليها النّسْرُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فالنَّسْرُ مِن المخلوقاتِ الوضيعةِ عند العربِ لأنَّه يتصفُ بخلالٍ شتّى أهمُّها الجُبنُ ، فهو لا يَقْدِمُ على فريستهِ ولا يُحرِّكُ ساكنًا حتّى تخرجَ روحُها، وهو مِن بينِ الطيورِ والجوارحِ مختصٌ بالتعاملِ معَ المَيْتَةِ.

لكنْ في العصرِ الحديثِ ،أصبحَ النَّسْرُ رغمَ مكانتهِ الوضيعةِ في مَخْيَلةِ العربِ ،يرمزُ لصفاتٍ إيجابيةٍ تشيدُ بالنَّسْرِ ،تخصُّه مِنْ بينِ الطيورِ بالفضلِ والتنويهِ بهِ ،كالشجاعةِ والصمودِ والإقدامِ والكرامةِ والعلوِّ والسموِّ حتّى غطَّى على الصقِر.

الشيءُ بالشيءِ يُذكَرُ ،قادَني هذا المشهدُ المأساويُّ ،إلى سياسةِ التجويعِ والتعذيبِ بالآمالِِ الكاذبةِ المُمنهَجةِ التي يُعانِي منها الشعبُ الأردنِيّ ،والتِي أصبحتْ مِن أهمِّ مرتكزاتِهِ. فلمْ يبقَ للشعبِ شيءٌ يملكُه في وطنِهِ ،فمُعظمُ روافدِ الوطنِ ومقوماتِهِ الاقتصاديّةِ بيعتْ ، فما عادَ يملكُ شيئاً يعزّ عليهِ فراقَهُ ،سِوى الحوقلَةِ والقليلِ مِن حُطامِ الدنيا ،لأنَّهم لمْ يُبقوا له دنيا ولا أبقَوا له دِينا ،ولمْ يَعُدْ الصوتُ يُسمِنُ ويغنِي مِن جوعٍ ،فقدْ صُمَّتْ الأذانُ وما عادَ أحدُ يصغِي لشكواهُم ويجدِيهم ،كي لا يسمعَ نحيبَ الثكالَى وتنهيدةَ الأطفالِ وأنينَ الشيوخِ مِن ألمِ الجوعِ. وليسَ لَهم مِن خَيارٍ ،سِوى الانحناءِ أجلالاً للمعلمِ الأولِ النَّسْرُ.

فلمْ أجدْ وصفًا للمشهدِ الذِي يُدمِي القلبَ ،ويُدْمعُ المُقلَ ،أبلغَ مِن هذهِ الكلماتِ المفجوعةِ، للشاعرِ العربِيّ عبدِ الرحمن العِشماوي حيثُ يقولُ : مُتْ فهذهِ الحياةُ لا تَسْتَحقُّ فِيهَا أنْ تَبْقَى لكَ فِيها أنْ تَجُوعَ .. وَتظْمى َ... وَتَشْقَى ... فنحنُ مِنْ قَبلِكَ مَيّتونَ مُتْ فَنحنُ مِنْ بَعدِكَ مَيتون ونحنُ مَعكَ مَيّتونَ نحنُ الذِين شَبِعْنَا مَوتاً وشبِعنَا ترَفاً .. وَقرفاً .. وَسُخفاً ..

وَهَزْلاً تعالَ أيّهَا النَسْرُ واغرس مخالبك في كل مكان فالعالم كله أصبح جيفة ... هامدة أجساد "ميتة" تتحرك على الأرض لا تحمل من الحياة إلا اسمها والمفاجأةَ الصادِمةُ التي لا يعرفُها كثيرٌ مِن الناسِ ،أنَّ النسر لا يموت إلا منتحراً ،ملقياً بنفسه من أعلى نقطة فى السماء إلى الأرض. [email protected]