آخر الأخبار
  سقوط ثلاثينية من جسر عبدون   نظام لتوفير شبكة أمان متكاملة للشباب الأيتام وفاقدي السند الأسري   مصر توقف العمل بإغلاق المنشآت الساعة 11 مساءً   استرجاع "أموال الجزائر المنهوبة" .. قصر رجل أعمال مسجون للبيع بـ100 مليون يورو   رئيس الديوان الملكي الهاشمي يلتقي وفدا من "أكاديمية شباب الكرك"   مطالبات بتمديد إعفاءات مخالفات السير في الاردن   توقعات حول أسعار الاضاحي خلال عيد الاضحى القادم   البنك الأهلي الأردني يرعى يومًاط بيًامجانيًابالتعاون مع جمعيةالإغاثةالطبيةالعربية   رياديات يواصلن التميز في جائزة "ملهمة التغيير" من أورنج الأردن   بنك الإسكان يعقد الاجتماع السنوي الثالث والخمسين للهيئة العامة للمساهمين   مستشفى الجامعة الأردنية: تعطٌّل مؤقّت في خطوط الاتصال الأرضيّة بسبب عطلٍ فنيّ   الصحة تدرج "الجدري المائي" ضمن برنامج التطعيم الوطني   تفاصيل حالة الطقس حتى الاربعاء .. وأمطار قادمة للمملكة   "البوتاس العربية" تسجل أعلى نمو في الصادرات الوطنية بنسبة 46.5% في أول شهرين من عام 2026 مدعومة بأداء تشغيلي قوي   30 ألف محاكمة عن بُعد منذ بداية العام   الاقتصاد الرقمي: إنجاز خدمات "باقة زواجي" خلال 15 - 30 دقيقة   الملك لـ وزير الخارجية الكويتي: أمن الخليج أساس لأمن المنطقة والعالم   بتوجيهات من حاكم عجمان انطلاق طائرة إغاثة لغزة تحمل 3300طرد غذائي   الأونروا تخفّض ساعات تقديم الخدمات ودوام الطلبة 20% في الأردن   مستقلة الانتخاب توافق على اسم "حزب الأمة" بديلا للعمل الإسلامي

النَّسْرُ لا يَمُوتُ إلا مَنْتَحِرًا

{clean_title}

 هذهِ الصورةُ فازتْ بجائزةِ بوليتزر عام1994،هزَّتْ الضميرَ العالمِيِّ ،التُقِطَتِ إباَّنَ مَجاعَةِ السُودان الشهيرةِ ،لِطفلٍ سُودانِيّ جائعٍ يزحفُ نحو مُعسكرٍ لتوزيعِ الطعامِ الخاصِّ بالأممِ المتحدةِ ،والذي يَبعُدُ مسافة كيلومترٍ مِن ذلكَ المكانِ ،ويَظهرُ في الصورةِ نَسْرٌ يتربّصُ بالطفلِ في انتظارِ سُقوطِهِ ميتًا ليلتهمَهُ ،بعدَ أنْ فقدَ أمَلَهُ في الحياةِ ،وفقدَ كلَّ أدواتِ الحركَةِ ،واتصالِهِ بالأشياءِ ،ونضبَ مِن جسدهِ مَعينُ الحياة .

وقدْ أودَتْ هذهِ الصورةُ بحياةِ مُصوِّرِها "كيفينْ كارتر" ،بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ مِن التقاطِها ،فقدْ انتحرَ بسببِ حزنِهِ الشديدِ على ذلكَ الطفلِ . أنعمتُ النظرَ فِي الصورةِ ،فلمْ أُصَدِّقْ ما رأَته عينايَّ ،فقلتُ في نَفسِي :أيّ العذاباتِ كِيلَتْ إلى هذا الجسدِ ،أينَ هي الرحمة ؟؟!

فلمْ يَطُلْ بي المَقامُ ،ثمّ قلتُ :هذهِ هي الجِبلَّةُ التِي فُطِرَ عليها النّسْرُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فالنَّسْرُ مِن المخلوقاتِ الوضيعةِ عند العربِ لأنَّه يتصفُ بخلالٍ شتّى أهمُّها الجُبنُ ، فهو لا يَقْدِمُ على فريستهِ ولا يُحرِّكُ ساكنًا حتّى تخرجَ روحُها، وهو مِن بينِ الطيورِ والجوارحِ مختصٌ بالتعاملِ معَ المَيْتَةِ.

لكنْ في العصرِ الحديثِ ،أصبحَ النَّسْرُ رغمَ مكانتهِ الوضيعةِ في مَخْيَلةِ العربِ ،يرمزُ لصفاتٍ إيجابيةٍ تشيدُ بالنَّسْرِ ،تخصُّه مِنْ بينِ الطيورِ بالفضلِ والتنويهِ بهِ ،كالشجاعةِ والصمودِ والإقدامِ والكرامةِ والعلوِّ والسموِّ حتّى غطَّى على الصقِر.

الشيءُ بالشيءِ يُذكَرُ ،قادَني هذا المشهدُ المأساويُّ ،إلى سياسةِ التجويعِ والتعذيبِ بالآمالِِ الكاذبةِ المُمنهَجةِ التي يُعانِي منها الشعبُ الأردنِيّ ،والتِي أصبحتْ مِن أهمِّ مرتكزاتِهِ. فلمْ يبقَ للشعبِ شيءٌ يملكُه في وطنِهِ ،فمُعظمُ روافدِ الوطنِ ومقوماتِهِ الاقتصاديّةِ بيعتْ ، فما عادَ يملكُ شيئاً يعزّ عليهِ فراقَهُ ،سِوى الحوقلَةِ والقليلِ مِن حُطامِ الدنيا ،لأنَّهم لمْ يُبقوا له دنيا ولا أبقَوا له دِينا ،ولمْ يَعُدْ الصوتُ يُسمِنُ ويغنِي مِن جوعٍ ،فقدْ صُمَّتْ الأذانُ وما عادَ أحدُ يصغِي لشكواهُم ويجدِيهم ،كي لا يسمعَ نحيبَ الثكالَى وتنهيدةَ الأطفالِ وأنينَ الشيوخِ مِن ألمِ الجوعِ. وليسَ لَهم مِن خَيارٍ ،سِوى الانحناءِ أجلالاً للمعلمِ الأولِ النَّسْرُ.

فلمْ أجدْ وصفًا للمشهدِ الذِي يُدمِي القلبَ ،ويُدْمعُ المُقلَ ،أبلغَ مِن هذهِ الكلماتِ المفجوعةِ، للشاعرِ العربِيّ عبدِ الرحمن العِشماوي حيثُ يقولُ : مُتْ فهذهِ الحياةُ لا تَسْتَحقُّ فِيهَا أنْ تَبْقَى لكَ فِيها أنْ تَجُوعَ .. وَتظْمى َ... وَتَشْقَى ... فنحنُ مِنْ قَبلِكَ مَيّتونَ مُتْ فَنحنُ مِنْ بَعدِكَ مَيتون ونحنُ مَعكَ مَيّتونَ نحنُ الذِين شَبِعْنَا مَوتاً وشبِعنَا ترَفاً .. وَقرفاً .. وَسُخفاً ..

وَهَزْلاً تعالَ أيّهَا النَسْرُ واغرس مخالبك في كل مكان فالعالم كله أصبح جيفة ... هامدة أجساد "ميتة" تتحرك على الأرض لا تحمل من الحياة إلا اسمها والمفاجأةَ الصادِمةُ التي لا يعرفُها كثيرٌ مِن الناسِ ،أنَّ النسر لا يموت إلا منتحراً ،ملقياً بنفسه من أعلى نقطة فى السماء إلى الأرض. [email protected]