آخر الأخبار
  التلهوني: التحول الرقمي الكامل في المحاكم الأردنية خلال عامين   الجامعةُ الأردنيّة تحصل على شهاداتٍ دَوليّة في الجودةِ وإدارة المؤسسات التعليميّة والمخاطر   ولي العهد يزور وزارة العدل   المجلس الأعلى للسكان: التوسع العمراني يهدد الأراضي الزراعية   الضمان: ارتفاع أعداد المؤمن عليهم الفعّالين   771 ألف سائح أوروبي قدموا إلى الأردن   الضمان: ارتفاع عدد المؤمن عليهم الفعّالين إلى أكثر من مليون و705 آلاف   الأردن يدين افتتاح جمهورية كولومبيا سفارة لها في القدس   الأردن وأستراليا يصدران بيانًا مشتركًا في ختام مباحثات الملك ورئيس الوزراء الأسترالي   تحذير أردني من مكاتب سياحية غير مرخّصة   الأردن: إغلاق أكثر من 60 صفحة إلكترونية لبيع زيت الزيتون   3592 جمعية خيرية خاضعة لإشراف التنمية الاجتماعية في الأردن   الأمن الوقائي يضبط مشغلا غير مرخص لتصنيع الأجبان في قضاء الخالدية   الأردني هاني الدباس يتأهل ضمن أفضل 10 مرشحين لجائزة أفضل مدير فندق في الشرق الأوسط لعام 2026   أورنج الأردن ترعى هاكاثون عمّان للذكاء الاصطناعي بتنظيم "فكر" وبالشراكة مع Replit   العمل: إصدار تصريح ودفع 500 دينار عن السنوات السابقة لمن لم يصدره من قبل   النائب الصفدي يعلن عدم ترشحه لانتخابات رئاسة مجلس النواب   الملك يجري مباحثات مع رئيس الوزراء الأسترالي   القبض على محتال إلكتروني عبر بيع هواتف خلوية وسرقة العربون   انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 84.50 دينارا للغرام

ترامب - نتنياهو وإعادة هندسة الشرق الأوسط

Wednesday
{clean_title}
جراءة نيوز - الدكتور منذر الحوارات يكتب ..

كانت محطة نتنياهو الثالثة إلى واشنطن مفعمة بالرمزية، فمنذ لحظتها الأولى حُملت برسائل تتجاوز المجاملات البروتوكولية؛ فارتداء ترامب ربطة عنق زرقاء، ونتنياهو ربطة حمراء، بدا وكأنه تعبير بصري عن التحام الرايتين الإسرائيلية والأميركية، في تبادل رمزي للأدوار: فأميركا تمثل إسرائيل، وإسرائيل تنوب عن الولايات المتحدة، وتلك رسالة واضحة لشكل المستقبل.
لكن خلف هذه الرمزية تكمن أبعاد أكثر عمقاً، فنتنياهو، العائد إلى العاصمة الأميركية محمّلًا بكبرياء المنتصر في الميدان، يسعى  لترجمة ذلك التفوق إلى واقع سياسي جديد، يُعيد من خلاله هندسة الجغرافيا السياسية في الإقليم، فالنظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى برعاية بريطانية – فرنسية، ثم أعيد ترسيخه أميركياً بعد الحرب العالمية الثانية، بات من وجهة نظر إسرائيلية قيداً يكبل طموحاتها التوسعية، لذا لا يخفي نتنياهو رغبته في قلب المعادلة، وفرض قواعد جديدة وإن بالقوة، وهو يسعى للحصول على غطاء سياسي من إدارة ترامب، ولم يتوان الأخير في منح الإشارات، فعندما وُجه إليه سؤال بشأن مستقبل عملية السلام وحل الدولتين، أحال الأجابة مباشرة إلى نتنياهو، مؤكداً أن القرار بيده وحده، والذي لم يتردد في الجزم بأن لا أحد في إسرائيل يوافق على قيام دولة فلسطينية، وأن أقصى ما يمكن منحه للفلسطينيين هو حكم ذاتي محدود، في ضربة قاسمة للقانون الدولي ولسنوات ثقيلة من المفاوضات. هذا الموقف ترافق مع تزويد إسرائيل بقذائف خارقة للتحصينات، وهذا يعطي الإشارة بما لا يدع مجالاً للشك أن الإدارة الأميركية ترى في القوة العسكرية الإسرائيلية وسيلة مشروعة لفرض الوقائع الجديدة على الأرض.
تحولت القضية الفلسطينية إلى شأن إسرائيلي داخلي، أما القرارات الدولية فلا قيمة لها، لم يعد هناك خطوط حمراء أمام إسرائيل فتوسعها مسألة تحكمه قوتها وقدرتها، وهو ما أثار قلق الفاعلين الأقليميين والدوليين، والذين ابدوا قلقا عميق حيال ما يجري، فالاستقبال المحمل بالرسائل بين ولي العهد السعودي ووزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي كان إشارة عميقة لتلك المخاوف،  فإيران تريد أن تؤكد: بأنها  لن تكون الضحية الصامتة في مشروع إعادة رسم الإقليم، في المقابل، تؤكد السعودية بأنها طرف فاعل لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط الجديدة، وأن الانتقال من المواجهة إلى الاحتواء مع إيران ليس تراجعاً بل تموضعاً استراتيجياً واعياً يعيد تعريف مفهوم الأمن القومي السعودي.
أما على الضفة الأوروبية، فقد اجتمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن وهما العالقين بماضيهما الاستعماري، والقلقين من تفكيك سايكس بيكو بعد حديث مبعوث ترامب عن مصطلح بلاد الشام، ووسط هاجس مشترك: تهميش الدور الأوروبي في الشرق الأوسط، والتخوف من تفرد أميركي– إسرائيلي في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وقد عبّر اللقاء عن هذا القلق من خلال بيان شديد اللهجة حذّر إسرائيل من إعادة تشكيل الإقليم بالقوة، أما تركيا فقد سارعت إلى تنفيذ اتفاقها مع الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، في خطوة فُهمت بأنها تهدف إلى إغلاق ثغرات داخلية قد يستثمرها خصوم أنقرة، فالقيادة التركية تدرك أن ضعف التماسك الداخلي هو المدخل لإضعاف الدور الإقليمي التركي في الترتيب المقبل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إيجاد تحالف مع الأكراد في محاولة اردوغانية لاجتثاث الكمالية من الحلبة السياسية. 
في مصر، ظهر فجأة تنظيم عسكري يهدف لقلب نظام الحكم، ترافق مع حملات إعلامية موجهة ضد القاهرة، يُرجّح أن هدف ذلك إرباك مصر داخلياً، وأشغالها بملفات جانبية، بهدف تحييدها عن لعب دور معرقل للمشروع الإسرائيلي، فالقاهرة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، تظل الطرف الأقدر على التأثير في أي ترتيب للأقليم، أما الأردن، فقد عبّر من خلال تحركات الملك عبد الله الثاني عن قلقه المتصاعد من أن تذهب إسرائيل بعيداً في طموحاتها الإقليمية، بما يهدد أمن واستقرار المملكة وحدودها وهوّيتها الوطنية وبالتالي استقرار الأردن الداخلي، وفي خلفية هذا المشهد، يواصل الأميركيون دفع خطة نزع سلاح حزب الله في لبنان، وفتح قنوات اتصال مع دمشق، ولو بشكل غير مباشر، من أجل إدخال سورية في مسار أمني يمهد لتسوية سياسية مع إسرائيل، تسهم في تصفير الجبهات المعادية لها، وتُخرج دمشق من معادلة العداء إلى التطبيع. 
 كل هذه التطورات تشير إلى أن المنطقة تشهد لحظة تحوّل كبرى، تتجاوز تداعيات الحروب إلى إعادة ترتيب شاملة لموازين القوى، تقودها إسرائيل تحت غطاء أميركي مباشر، وهي لحظة تنذر، إن لم تُواجَه برؤية جماعية، بانهيار ما تبقى من النظام الإقليمي الهش، لصالح مشروع إسرائيل الكبرى، لا بالمعنى الجغرافي التقليدي، بل بالمعنى الوظيفي: إسرائيل كدولة وظيفية عليا، تنوب عن واشنطن في إعادة تشكيل المنطقة، وتفرض خياراتها بالقوة، وهذا يُنذر بتطورات مقبلة شديدة الغموض والتعقيد، فالخراب والتدمير رافق رحلة إسرائيل منذ ولادتها المشؤومة وحتى الآن.