آخر الأخبار
  قرارات حكومية صارمة بشأن قضايا الإرهاب .. تفاصيل   نقيب السياحيين العراقيين: الأردن يُمثل وجهة مُهمة للسائح العراقي   الأردن يؤكد وقوفه المطلق مع السعودية لحماية أمنها واستقرارها   1.227 مليار دينار فاتورة التقاعد خلال 8 اشهر   ضبط محلول عدسات لاصقة مخالف في الاسواق .. وتحذير من استخدامه   الأميرة بسمة: هكذا هنّ أمهات الأردن وبناته   "البوتاس العربية" تعزز سلاسل توريدها في شمال غرب أوروبا بتوقيع اتفاقية استراتيجية مع "Euroports" البلجيكية   الأمن يحذر من الانزلاقات وتدني الرؤية خلال الأحوال الجوية المتوقعة   الصبيحي يطالب حسان بإنصاف معلمات المدارس الخاصة وحماية حقوقهن بالضمان   العمل: جولات صباحية ومسائية لضبط العمالة الوافدة المخالفة   التربية تعلن برنامج امتحانات تكميلية التوجيهي   الفلك يحدد أول أيام رمضان .. و3 ظواهر تحسم الجدل مبكراً   مداهمات أمنية توقع بـ 28 تاجرا ومروجا للمخدرات   اجراء قرعة خدمة العلم وإعادة تفعيل المنصة للاستعلام عن المكلفين   5 متهمين بقضية كنيسة حمود بينهم 3 نفذوا الهجوم و2 باعاهم السلاح   الأشغال: 23 بلاغا خلال يومين وإغلاق تحويلة جسر الرامة مع كل حالة جوية   تحذير من مديرية الأمن العام   تمرين وطني الثلاثاء للوقوف على اختبار إجراءات السلامة العامة   البنك الأهلي الأردني يعيّن أمير السلعوس مديرًا للشؤون المؤسسية والتسويق وعضوًا في الفريق التنفيذي   أمن الدولة تستمع لشهود العيان بقضية كنيسة حمود

أطفال سيمون بوليفار يقهرون الحكومة!

Sunday
{clean_title}

اليوم الثامن والعشرون من نوفمبر 2012- أيضًا- ذهبت إلى ميدان التحرير بعد أن أنهيت أعمالي حوالي الثانية ظهرًا، في يقيني وأنا أمشي نحوه أنها ضريبة دم، على كل حر أن يدفعها، كل حر يرفض أن يكون شخص الرئيس فوق المساءلة بقوة الإعلان غير الدستوري، لهذا ربما أبالغ في كتابة شعارات على صفحتي في "فيس بوك" قبل النزول مباشرة، وكأنني ذاهب إلى الحرب، أو كأنني أكتب نعيي!

الآن أعدت قراءة ما كتبته: "إلى ميدان التحرير الآن/ أحرار مصر لا يقبلون ديكتاتورًا فاشلاً/ الحرية أو الموت!!" واستغربت، هل أبالغ؟ لا أظن، فأنا لا أذهب كي أتفرج إرضاء لضميري، بل- إضافة إلى معارضتي لكل قرار أتصور أنه ليس في صالح مصر ومستقبلها- أمشي وراء رغبة قوية لأفهم السبب الذي يجعل صبيةً صغارًا، في عمر طفليَّ أو أصغر، يخاطرون بحياتهم، بل ويتساقطون شهداء بالفعل.

كانوا في محمد محمود يوم 19 نوفمبر 2011، ثم في مجلس الوزراء، ومحمد محمود 2 وميدان الفلكي وشارع منصور، والآن في ميدان سيمون بوليفار، على بعد خطوات من السفارة الأمريكية في بداية حي "جاردن سيتي" الراقي من جهة ميدان التحرير، الذي حوله نظام مبارك إلى سكنة عسكرية وأغلق جميع الشوارع التي تؤدي إلى السفارة منذ عام 1990، حينما تصاعد الغضب الشعبي ضد أمريكا قبل وأثناء وبعد حرب الخليج الأولى

ومن المفارقات المبكية أن المصريين قاموا بثورة خلعت مبارك نفسه وأخذته من قصر الرئاسة إلى سجن مزرعة طره، بينما بقيت السفارة الأمريكية- دون غيرها من السفارات الأجنبية- محروسة بجيش من قوات الأمن المركزي، ومحظور الاقتراب منها، حتى أمام المشاه العاديين!

بعد أن تجولت بين الخيام الكثيرة المتراصة في صينية الميدان، ورأيت الشباب المعتصمين المنهكين من مليونية أمس نائمين فيها وحولها من التعب، وألقيت نظرة متأنية على شارع محمد محمود، والجرافيتي المرسوم على حوائطه: الشيخ عماد عقت ومينا دانيال والزائر الجديد "جيكا"

ورأيت الابتسامة الكبيرة الساخرة التي رسمها شباب الثورة على الجدار الفاصل في بداية قصر العيني، جذبني صوت يشبه أصوات خطباء المساجد.. كانت هناك منصة ناحية جامعة الدول العربية يلتف حولها عدة مئات من الشباب، انضممت إليهم، فوقها شاب ملتحٍ يرتدي جلبابًا قصيرًا يخطب في الجموع، يشتم الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين ويهتف بينما تردد الجماهير وراءه

التقطتُ لهم عدة صور بكاميرا هاتفي المحمول، وتجولت لأرى باقي الميدان، أحفظ أماكن التجمعات وأشكال الناس والهتافات: "يسقط يسقط حكم المرشد" هو السائد الآن، تذكرت أنه أثناء حكم المجلس العسكري، حين كان أحدنا يقوله، كانت الأغلبية تسكته وتنادي: "إيد واحدة.. إيد واحدة"

الآن لم يبقِ الإخوان المسلمون على شعرة معاوية التي تربطها بباقي فئات الشعب التي شاركت في الثورة، بعد أن أبانت عن نيتها في التهام المجالس النيابية واللجنة التأسيسية والسلطة القضائية، إلى جانب السلطة التنفيذية، ولا تترك فرصة للآخرين كي يعملوا ويتحركوا لخدمة هذا الوطن بالطريقة التي يرونها.


كنت أظن أن الشباب سيصلون صلاة الجنازة على الناشط "فتحي غريب"، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الذي استشهد أمس في ميدان سيمون بوليفار، بين الصبية، نتيجة أزمة قلبية. الشارع يبدو هادئًا مقارنة بصلاة الجنازة على "جيكا" قبل يومين، دخلته فهاجمتني رائحة الغاز المسيل للدموع، بدأت خفيفة ثم أخذت في الاشتداد كما توغلت، رائحة عنيفة ذكرتني بالروائح التي كنا نستنشقها مرغمين في "محمد محمود" قبل عام.

رويدًا رويدًا وجدتني أدخل إلى ساحة حرب، فهذا الشارع القصير الذي يبدأ من ميدان التحرير، متوسطًا المجمع وجامع عمر مكرم منتهيًا بميدان سيمون بوليفار، مفروش بأحجار صغيرة، وأطفال حول الخمسة عشر عامًا، بعضهم يحمل حقيبة المدرسة على ظهره، مسدود بمدرعات الأمن المركزي المزودة بجنود مبرمجون على ضرب الناس وإهانتهم، وقنابل مسيلة للدموع، وأحجار أيضًا.

هناك حالة من الكر والفر، الهجوم والهجوم المضاد، وسط دخان كثيف ورائحة غاز وكمامات واقية، شاهدت امرأة في الثلاثين تقف على الرصيف في بداية الشارع تحمل في يدها بخاخًا ترش به وجوه الأطفال لتعالجهم من اختناقات الغاز.


توغلت أكثر ناشدًا رؤية أوضح، أقرب، وقفت على الرصيف وفي يدي هاتفي ألتقط به بعض الصور، كانت قوات الأمن تتراجع والشباب يكرون في إثرهم شاهرين الطوب الذي لا يملكون غيره، طفل صغير إلى جواري يحمل حقيبته المدرسية أيضًا، ويبدو أنه جاء ليتفرج، نظر ناحيتي وقال لي بثقة كبيرة: "الولاد دول يا عمو خلُّوا الحكومة تهرب!" يا الله على هذا التعبير، إنه يلخص القضية كلها.


تذكرت حينما كان ابني في الرابعة أو الخامسة من عمره، وكنا نشاهد فيلمًا أمريكيًّا عن الحرب الكورية، كان الجنود الأمريكيون يقتلون الأطفال والنساء الكوريين بوحشية، فسألني بشكل مباغت لم أتوقعه: "اللي لابسين جيش دول إسرائيل والتانيين فلسطين؟

" لم أكن تحدثت معه عن هذا أبدًا، لكنها الطبيعة التي تخلقنا نحمل ثأرًا ضد إسرائيل التي احتلت أرضنا وهجَّرت شعبنا وقتلت النساء والأطفال والشيوخ، وهنا يبدو أن شيئًا من الثأر نولد به ضد الداخلية وصلفها، ومسلك رجالها في إهانة الناس والاعتداء عليهم بلا سبب، هل يكون هؤلاء الأطفال يحاربون الداخلية باعتبارها عدوهم الطبيعي؟ هل يثأرون للمجتمع والتاريخ؟

ربما، فلا تحاول إقناعي أن طفل المدرسة هذا قبض 50 جنيهًا نظير مواجهة القنابل السامة، تلك التي ما تزال آثارها عنيفة عليَّ حتى الآن وأنا في هذه السن...أنا الآن ملآن بالأمل بعدما كان الإحباط بدأ يتسرب إلى نفسي، وأظن أنني سأحاربة في المستقبل بإعادة صوت هذا الطفل الجميل: "الولاد دول يا عمو خلُّوا الحكومة تهرب!"