بين الوهم المالي والحقيقة الاقتصادية ... قراءة في الخطاب الرسمي في الأردن
في بلدٍ كالأردن، لا يمكن فهم بنية الخطاب الاقتصادي الرسمي بمعزل عن الطبيعة البنيوية للدولة نفسها، ولا عن الموقع الجيوسياسي. فالأردن، كنموذج لما يمكن تسميته بـ"الاقتصاد الريعي-الإداري"، اقتصادٌ صغير ومحدود الموارد ، يقع في قلب منطقة تعيش حالة من الاضطراب المزمن، ويواجه اقتصاده ضغوطاً متواصلة ناجمة عن الأزمات الإقليمية، وتذبذب تدفقات الاستثمار، وتراجع المساعدات أحياناً، وارتفاع كلفة الأمن والطاقة والاستضافة الإنسانية.
وبالتالي تخلق هذه البنية معضلة حقيقية ، فالخطاب الرسمي يجد نفسه مجبراً على مخاطبة ثلاثة جهات متباينة المصالح في آنٍ واحد وبذات الرسالة، بدءاً من المواطن المحلي الذي تحاول الحكومة طمأنته بأن عجلة الاقتصاد تدور بأمان لتسويق السياسات التقشفية وإصلاح منظومة الدعم والضرائب المتصاعدة، مروراً بالمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي ووكالات التصنيف الائتماني التي تشترط الانضباط المالي وخفض العجز كمعيار لاستمرار التمويل، وصولاً إلى المستثمرين والأسواق المالية الذين يبحثون عن مؤشرات استقرار وحوافز نمو، كأداء االسوق المالي واستقرار الاحتياطيات الأجنبية، لضخ رؤوس أموالهم.
وهذا الدور، وإن كان مشروعاً بل وضرورياً في اقتصادٍ يصارع مناخاً إقليمياً غير مستقر ، يبقى مشدوداً على خيطٍ رفيع يفصل بين التفسير الموضوعي للواقع وبين إدارة الانطباعات عنه ، فحين يتحوّل التصريح الرسمي من موقع التشخيص إلى موقع العلاقات العامة، منتقياً المؤشرات المريحة ومتجاوزاً الملفات الشائكة، فإن الاقتصاد لا يخسر دقة تشخيصه فحسب، بل يخسر أيضاً أداة الرقابة التي تصون استدامة أي إصلاح.
وفي هذا السياق ، جاء التصريح الصحفي الأخيربتاريخ 30/ 6/2026 لوزير الدولة للشؤون الاقتصادية ليكون نموذجاً واضحا لهذا الصراع والتجاذب الدائم بين الحاجة إلى بناء الثقة وأهمية الشفافية. فبينما استعرض الوزير أرقاماً مبشّرة عن الربع الأول من عام 2026، تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة بلا إجابة: هل تعكس هذه المؤشرات تحوّلاً هيكلياً حقيقياً، أم أنها مجرد لحظة موسمية عابرة ؟ ولماذا غاب ملف المديونية والعجز عن خطاب الطمأنة الرسمي غياباً تاماً؟
لقد تصدّر حديثَ الوزير الإعلانُ عن تحقيق نمو حقيقي بنسبة 2.9% خلال الربع الأول من 2026، مقارنةً بـ 2.7% في الفترة ذاتها من العام الماضي، معتبراً هذا الأداء إنجازا وتفوّقاً على اقتصاداتٍ إقليمية وعالمية أنهكتها الحروب والأزمات.
غير أن قراءة هذا الرقم في سياقه الديموغرافي تكشف عن محدودية أثره الفعلي ، فالمعدل يكاد يوازي النمو السكاني الطبيعي، بما يعني أن قدرته التراكمية على توليد فرص عمل كافية لخفض معدلات البطالة تظل دون المطلوب او المتوقع ، ويزداد الأمر تعقيداً حين تُقاس هذه النسبة بميزان دول الجوار المنكوبة مباشرة بالحروب، فالمقارنة تفتقر إلى أدنى معايير التكافؤ، ذلك أن الأردن يستفيد تاريخياً من مناخ استقرار سياسي وأمني يجتذب رؤوس الأموال الهاربة من الصراعات في الإقليم ، وهو ما كان يُفترض أن يشكّل رافعةً تدفع بمعدلات النمو إلى مستوياتٍ تتجاوز بمراحل مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي الطامحة إلى 5% .
هذا ، ولم يغفل الخطاب الوزاري الإشارة إلى شمولية النمو وعدم حصره في قطاعٍ بعينه، مستشهداً بنسبٍ متقدمة في الزراعة (6.8%)، والكهرباء (4.3%)، والصناعة (5.3%)، مع تركيزٍ خاص على الصناعات التحويلية التي تسهم بـ 16.6% من الناتج المحلي وتشكّل 95% من الصادرات الوطنية، فضلاً عن الإشارة إلى قفزةٍ لافتة في قطاع الإنشاءات بلغت 14.7%.
بيد أن النقد يتّجه هنا صوب "كلف الإنتاج" التي ما تزال عائقاً تنافسياً مزمناً، فالصناعة والزراعة الأردنيتان ترزحان تحت وطأة أسعار الطاقة والمياه المرتفعة، وهو ما يُضعف تنافسية المنتج الوطني في الأسواق التصديرية ويُهدّد استدامة هذا النمو على المدى الطويل. أما قطاع الإنشاءات، فما إن يُقرأ بمعزلٍ عن بريق المؤشر الكمي حتى يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يعكس هذا الانتعاش العقاري طلباً حقيقياً على السكن، أم أنه مدفوعٌ بالمضاربة والطلب النخبوي، دون أن يترك أثراً ملموساً على خفض كلف السكن للطبقتين المتوسطة والدنيا؟
ومن زاويةٍ أخرى في خطاب الوزير، برزت الإنجازات النقدية بوصفها أكثر المحاور حصانةً من النقد: تضخّم منخفض عند 1.88%، احتياطيات أجنبية تتجاوز 27 مليار دولار، ونسبة كفاية رأس مال بلغت 18% تماشياً مع معايير بازل 3. وهذه المؤشرات تعكس بالفعل تنسيقاً رفيع المستوى بين السياستين المالية والنقدية، وجهوداً صارمة في حماية الدينار.
غير أن إغفال الخطاب لتداعيات هذه السياسات يُشكّل اقتطاعاً جزئياً من المشهد الكلي. فالتزام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة تماشياً مع توجهات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وإن نجح في كبح جماح التضخم المستورد، إلا أنه أفضى إلى ارتفاعٍ قياسي في كلف الاقتراض، وتآكلٍ في القوة الشرائية للأفراد، وتضخّمٍ في أعباء خدمة الدين العام والخاص على حدٍّ سواء، وهو ما انعكس سلباً على الطلب المحلي وأضعف حركة ونشاط الأسواق. وهنا يتجلى التناقض الصريح: فحماية العملة قد تعني، في وجهٍ آخر لها، خنق الاقتصاد الحقيقي.
وكذلك فقد أشاد الوزير بدبلوماسية التجارة الأردنية، مسلّطاً الضوء على نمو الصادرات الوطنية بنسبة 7.3% واختراق المنتجات المحلية أسواقاً نوعية جديدة كبلجيكا وهولندا وسوريا، وهي أرقامٌ تعكس بالفعل مرونةً وديناميكية عاليتين يتحلّى بهما القطاع الخاص الأردني.
غير أن التساؤل عن استدامة هذا الأداء يبقى مشروعاً في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية في مضيق باب المندب وحوض البحر الأحمر ، فارتفاع كلف الشحن البحري وتضاعف أقساط التأمين ضد مخاطر الحروب يشكّلان تهديداً مباشراً لربحية المصدّرين. وإن اقتصار الخطاب على أرقام الربع الأول دون طرح سيناريوهات بديلة أو خطط طوارئ لمواجهة أمد الأزمات اللوجستية يُفقر القيمة الاستشرافية للخطاب الرسمي.
ولعل ملف المديونية هو الغائب الأكبر عن التصريح الوزاري ، إذ خلا النص تماماً من أي ذكرٍ لعبارة " الدّين العام " على الرغم من مركزية هذا الملف في أي تقييمٍ اقتصادي متوازن . وهنا تتكشّف الفجوة الأخطر بين السردية الرسمية والواقع المالي ، ففي حين تشير البيانات إلى أن نسبة الدين الصافي المُعلنة رسمياً (بدون الضمان) بلغت 83.1% في آذار 2026 ثم 83.3% في أيار، فإن إجمالي الدين الحقيقي الشامل (باحتساب مديونية الضمان الاجتماعي) بلغ 108.6% في آذار وصعد إلى 108.8% في أيار. وهذا الفارق الثابت عند 25.5% ليس رقماً محاسبياً عابراً، بل يمثّل في جوهره نحو 11.08 مليار دينار هي حقوق المتقاعدين والمشتركين في صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
و الأمر الأكثر إشكاليةً أن التحسّن الظاهري في نسبة الدين الصافي لم ينبع من انخفاضٍ فعلي في حجم الدين والذي ارتفع من 45.85 إلى 47.73 مليار دينار خلال عامٍ واحد، بزيادةٍ تقارب 1.88 مليار. وهنا تكمن المفارقة الصارخة ، فالوزير يقدّم نمو الربع الأول بوصفه إنجازاً قائماً بذاته، بينما يوظّفه في الآن نفسه أداةً حسابية تُجمّل نسب المديونية وتُخفي تصاعدها المطلق.
وكذلك عند تفحّص مؤشرات الموازنة العامة للربع الأول من 2026، يبدو أن "التحسّن الظاهري" في العجز ، والذي تراجع بنسبة 9.4% من 530 مليون دينار إلى 480 مليوناً ، والذي يخفي في طيّاته عوامل ضغطٍ هيكلية. فما إن تُقرأ بيانات خمسة أشهر ( حتى أيار ) يتسارع العجز بشكلٍ حاد ليقفز إلى 890 مليون دينار، أي أن شهري نيسان وأيار وحدهما أضافا 410 ملايين دينار إلى العجز، وهو ما يُثبت أن تحسّن الربع الأول لم يكن سوى تباينٍ موسمي عابر، لا اتجاهاً هيكلياً راسخاً.
أما على صعيد الإيرادات المحلية التي نمت بنسبة 7.1% لتبلغ 2.25 مليار دينار، وتنسب السردية الرسمية هذه الزيادة إلى "نجاح جهود مكافحة التهرب وتحسين التحصيل"، دون أن تقدّم إيضاحاتٍ شفافة عن حجم العبء الضريبي أو الرسوم الإضافية التي يتحمّلها المواطن والقطاع الخاص ، وفي المقابل، نما الإنفاق الرأسمالي بنسبة 19.4%، وهو مؤشرٌ إيجابي يدعم البنية التحتية، لكنه ينمو بوتيرةٍ تفوق كثيراً نمو الإيرادات، الأمر الذي يُجبر الدولة على مواصلة الدوران في دائرة الاقتراض لسدّ الفجوة، وهذا يُفسّر تصاعد الدين العام رغم "التحسّن" المُعلن في العجز.
واختتم الوزير تصريحه بالحديث عن الالتزام برؤية التحديث الاقتصادي والمضي قدماً في مشاريع سيادية كبرى، وتخصيص موازنة واضحة لمشروع "الناقل الوطني للمياه"، وشبكة السكك الحديدية، وتطوير غاز الريشة، ومدينة عمرة الجديدة . غير أن هذا الجانب من الخطاب يعكس هروباً من رصد المنجزات الرقمية إلى إطلاق الوعود التخطيطية، إذ بات الحديث عن البدء والتخصيص المالي الفعلي للناقل الوطني سردية متكررة بلا جداول زمنية حاسمة. والأكثر إثارةً للقلق هو دمج مشاريع ترفيهية وعقارية، كمدينة عمرة، في السياق ذاته مع مشاريع السيادة الاقتصادية والأمن القومي كالماء والغاز والسكك الحديدية. فهذا الخلط يوضح التشتت في الأولويات ، إذ كان الأجدر، في ظل شحّ الموارد وعجز الموازنة المزمن، أن يتوجّه الإنفاق الرأسمالي بكامله نحو المشاريع ذات العائد الإنتاجي المباشر والمُحفّزة لفرص عملٍ مستدامة.
في المحصلة، وعند إخضاع الخطاب الاقتصادي الرسمي للمعايير العلمية الدقيقة، تتكشف فجوة عميقة بين السردية الحكومية والواقع ، إذ جاء تصريح الوزير كخطاب علاقات عامة يفتقر للتقارير الفنية القابلة للتدقيق. لقد اعتمد الخطاب على انتقائية مشهدية تبرز المؤشرات "المريحة" وتتجاهل ملفات اساسية كالدين العام الإجمالي الذي تجاوز حاجز الـ 108% من الناتج المحلي، فضلاً عن الآثار الحادة لرفع أسعار الفائدة. ومن خلال توجيه محاسبي يعتمد على إبراز الدين "الصافي" وتغييب المديونية الشاملة، تمت إدارة الإدراك العام بلغة تبريرية تُحيل كل إخفاق إلى الظروف الإقليمية، وتنسب كل نجاح لكفاءة السياسات، في انفصال تام عن واقع المواطن المتمثل في تغييب معدلات البطالة والفقر وتآكل القدرة الشرائية.
وربما لا تكمن القضية الأكثر حساسية في المالية العامة الأردنية في حجم الدين وحده، بل في هوية الدائن نفسه. فحين تستدين الدولة من الأسواق المالية أو من المؤسسات الدولية، يكون الدين جزءاً من العلاقة التقليدية بين المقترض والمموِّل. أما حين يصبح أحد أكبر الدائنين هو صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، فإن المسألة تتجاوز حدود التمويل الحكومي لتدخل في صميم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
فأموال الضمان الاجتماعي ليست رأسمالاً حكومياً يمكن إعادة توظيفه دون تبعات اجتماعية، بل هي مدخرات تراكمت عبر اقتطاعات إلزامية من أجور العاملين، على أساس تعهد قانوني وأخلاقي بأن تتحول مستقبلاً إلى معاشات تقاعدية تكفل الأمن الاقتصادي لملايين الأردنيين. ومن ثم فإن أي اقتراض حكومي من هذه الأموال، وإن كان مشروعاً قانونياً ومنظماً بموجب أدوات مالية معتمدة، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد عملية محاسبية داخل القطاع العام، لأن الطرف الدائن الحقيقي ليس مؤسسة رسمية، وإنما المواطن نفسه.
ومع ذلك، فإن القراءة التحليلية لا تهدف إلى نفي وجود انجازات ، فكبح التضخم، وحجم الاحتياطيات الأجنبية، ونمو الصادرات هي منجزات فعلية لا يمكن إنكارها ، ولكن المطلوب بالأساس إلى وضعها في سياقها الموضوعي الكامل. ففي غياب صحافة اقتصادية متخصصة ومراكز أبحاث مستقلة، يُترك المواطن أسيراً لسردية رسمية أحادية تحجب عنه الصورة المتكاملة التي توازن بين نقاط القوة والضعف، وتُخضعه لخطاب يدير المشهد بدلاً من أن يُفسر الحقائق. وفي النهاية، يظل السؤال المعلق أمام صانع القرار: هل نريد خطاباً يُطمئن الرأي العام مؤقتاً، أم خطاباً يواجه الاختلالات ليُصلحها؟
محمد قاسم عابورة