آخر الأخبار
  ارتفاع تملك غير الأردنيين للعقارات خلال أول 8 أشهر من 2026   الحكومة تحذر من تزوير "فرح" .. علامات تكشف التزوير   توقع عودة 75 ألف لاجئ سوري خلال 2026   عطوة اعتراف بمقتل الشاب أسامة ابو ذان   ولي العهد يعزي بوفيات حادث مكلفي خدمة العلم   الناطقة الرقمية باسم الحكومة: لست مكان احد   تفاصيل توقيف سليمان هلال الأسد في لبنان: أسلحة وحشيش و"لا أوراق قانونية"   قرار جديد بشأن دوام 6 مكاتب بالعاصمة تتبع للأحوال المدنية   رئيس هيئة الأركان المشتركة ومديرو الأجهزة الأمنية يزورون مصابي خدمة العلم ويقدمون واجب العزاء لذوي المتوفين   بتوجيهات ملكية .. رئيس الديوان الملكي الهاشمي يقدم واجب العزاء إلى ذوي المتوفين في حادث مكلفي خدمة العلم   الفريق المتقاعد العدوان يتوقف عن الكتابة   الصفدي ونظيره القطري يؤكدان أهمية تكاتف الجهود لإنهاء التصعيد الإقليمي   ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريبا جدا وأسعار النفط ستنخفض   9 آلاف زائر لموقع مكاور الأثري خلال 7 اشهر   الاشغال للسائقين على شارع الستين: احذروا والتزموا بالتعليمات   مئات المستفيدين من عروض Orange Money بالتزامن مع بداية العام الدراسي 2026   تسجيل 83 براءة اختراع في الأردن حتى نهاية آب   إعلان مهم للطلبة الأردنيين الراغبين بالدراسة في الجامعات المصرية   أكثر من 33 ألف مسافر تنقلوا عبر معبر الكرامة خلال أسبوع   تعليمات جديدة بمراكز تدريب السواقة

صيدليات ومطاعم .. وشعب جائع ومريض

Sunday
{clean_title}
كنت أجلس على شرفة منزل إحدى الصديقات في الشميساني، أراقب شارعًا يعج بالحياة، أضواء المطاعم تنعكس على الأرصفة، ورائحة الشواء تمتزج بأصوات الناس، والكافيهات مكتظة بروادها، أمامي أكثر من أربعة مطاعم وثلاث صيدليات تتجاور في مساحة صغيرة، حتى بدا المشهد وكأنه إعلان دائم عن مدينة تنمو وتزداد حداثة.

للوهلة الأولى قد يظن العابر أن هذا الشارع يروي قصة ازدهار، لكنني كنت أرى قصة أخرى تمامًا، ففي الوقت الذي تتكاثر فيه المطاعم يزداد عدد الأسر التي تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية، وفي الوقت الذي تتوسع فيه الصيدليات يزداد المرض حضورًا في بيوت الأردنيين، حتى أصبح الطعام والدواء أكثر ما يطارد الإنسان في يومه.

هذا المشهد دفعني إلى التفكير بما لا تظهره الواجهات المضيئة، فخلف كل ضوء حكاية بيت يحاول أن يصمد، وخلف كل شارع أنيق عائلة تؤجل شراء الدواء أو أبًا يحسب ما تبقى من راتبه قبل أن يقرر ماذا سيشتري لأطفاله، أو شابًا يحمل شهادة جامعية ولا يجد فرصة عمل تحفظ له كرامته.

الفقر في الأردن أصبح قضية اجتماعية واقتصادية وأمنية تمس تفاصيل الحياة كلها، ولو تأملنا ملفات المحاكم لوجدنا أن نسبة كبيرة من القضايا ترتبط بضغوط مالية أو ببطالة أو بعجز عن الوفاء بالالتزامات، ولو دخلنا إلى بيوت انتهت بالطلاق أو امتلأت بالمشكلات الأسرية لوجدنا أن الضيق الاقتصادي حاضر في كثير من تلك القصص، يرهق النفوس قبل أن يهدم العلاقات.

أما المخدرات والجريمة، فلا يمكن اختزال أسبابهما في الفقر وحده، فهما ظاهرتان معقدتان تتداخل فيهما عوامل اجتماعية ونفسية وتربوية وأمنية، لكن الفقر والبطالة واليأس قد تكون عوامل تزيد من قابلية بعض الأفراد للانزلاق نحو هذه المسارات خصوصًا عندما يغيب الأمل وتضيق فرص الحياة الكريمة.

ولهذا فإن استمرار الضغوط الاقتصادية واتساع دائرة البطالة وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، يهدد الاقتصاد و يهدد تماسك المجتمع كله، فكل أزمة معيشية تُترك دون معالجة تتحول مع الوقت إلى أزمة اجتماعية ثم إلى تحدٍ أمني، حتى نجد أنفسنا أمام حريق كبير لا تشتعله شرارة واحدة إنما سنوات من التراكم والإهمال.

عندما غادرت شرفة المنزل لم يبق في ذاكرتي عدد المطاعم ولا عدد الصيدليات انما بقي سؤال واحد: هل نقيس تقدم المدن بكثرة الواجهات المضيئة والمطاعم والصيدليات أم بقدرة الإنسان على أن يعيش فيها بكرامة؟

فالأردن لا يحتاج إلى المزيد من المطاعم إذا كان كثيرون لا يستطيعون ارتيادها، ولا إلى المزيد من الصيدليات إذا كان المرض يزداد والدواء يثقل كاهل الأسر، ما يحتاجه هو اقتصاد يخلق فرص العمل، وسياسات تخفف أعباء المعيشة وعدالة تمنح الناس الأمل، لأن حماية المجتمع تبدأ بحماية الإنسان من الفقر قبل أن نطالبه بمواجهة نتائجه.