آخر الأخبار
  موظفو مجمع الأعمال ينفذون وقفة احتجاجية رفضاً لرسوم المواقف   وزارة البيئة تدعم بلديات الطفيلة بـ225 حاوية   الترخيص المتنقل "المسائي" للمركبات في برقش الأحد   الحكومة: 343 مشروعا قيد التنفيذ ضمن برنامج التحديث الاقتصادي   منتدى الابتكار يدعو لتمليك الأردنيين مشروعا يساهمون به   بدء أعمال التصميم لتلفريك عمّان   تعديلات مرورية تربط بين كوريدور عبدون ومرج الحمام وطريق المطار   الرواشدة يزور الفنان حسن الشاعر   الأمانة: أعمال تعبيد في منطقة زهران ضمن خطة تعبيد الأحياء   الغذاء والدواء: مدة نقل الوجبة عامل مهم في سلامتها   2.8 مليار دينار قروض "كشف الراتب" خلال النصف الأول من 2026   الأمن للأردنيين: لا تغلقوا طريقا ولا تطلقوا عيارات نارية   ضبط اعتداءات جديدة على المياه في بيرين تزود 15 منزلا   الأردن يدين الاعتداء الإيراني على ناقلة إماراتية خلال عبورها هرمز   42 الف مسافر تنقلوا عبر جسر الملك حسين الأسبوع الماضي   دورة تدريبية بمركز البحوث الدوائية والتشخيصية في عمان الاهلية حول الهندسة الطبية الحيوية   التكنولوجيا الزراعية في عمان الأهلية تشارك بفعاليات اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف 2026   هندسة عمان الأهلية تحصد المركز الأول بمسابقة مشاريع النقل والمرور   استكمال التشغيل التجريبي لخطوط النقل المنتظم الأحد   إعلان نتائج الثانوية العامة الاثنين المقبل

صيدليات ومطاعم .. وشعب جائع ومريض

Saturday
{clean_title}
كنت أجلس على شرفة منزل إحدى الصديقات في الشميساني، أراقب شارعًا يعج بالحياة، أضواء المطاعم تنعكس على الأرصفة، ورائحة الشواء تمتزج بأصوات الناس، والكافيهات مكتظة بروادها، أمامي أكثر من أربعة مطاعم وثلاث صيدليات تتجاور في مساحة صغيرة، حتى بدا المشهد وكأنه إعلان دائم عن مدينة تنمو وتزداد حداثة.

للوهلة الأولى قد يظن العابر أن هذا الشارع يروي قصة ازدهار، لكنني كنت أرى قصة أخرى تمامًا، ففي الوقت الذي تتكاثر فيه المطاعم يزداد عدد الأسر التي تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية، وفي الوقت الذي تتوسع فيه الصيدليات يزداد المرض حضورًا في بيوت الأردنيين، حتى أصبح الطعام والدواء أكثر ما يطارد الإنسان في يومه.

هذا المشهد دفعني إلى التفكير بما لا تظهره الواجهات المضيئة، فخلف كل ضوء حكاية بيت يحاول أن يصمد، وخلف كل شارع أنيق عائلة تؤجل شراء الدواء أو أبًا يحسب ما تبقى من راتبه قبل أن يقرر ماذا سيشتري لأطفاله، أو شابًا يحمل شهادة جامعية ولا يجد فرصة عمل تحفظ له كرامته.

الفقر في الأردن أصبح قضية اجتماعية واقتصادية وأمنية تمس تفاصيل الحياة كلها، ولو تأملنا ملفات المحاكم لوجدنا أن نسبة كبيرة من القضايا ترتبط بضغوط مالية أو ببطالة أو بعجز عن الوفاء بالالتزامات، ولو دخلنا إلى بيوت انتهت بالطلاق أو امتلأت بالمشكلات الأسرية لوجدنا أن الضيق الاقتصادي حاضر في كثير من تلك القصص، يرهق النفوس قبل أن يهدم العلاقات.

أما المخدرات والجريمة، فلا يمكن اختزال أسبابهما في الفقر وحده، فهما ظاهرتان معقدتان تتداخل فيهما عوامل اجتماعية ونفسية وتربوية وأمنية، لكن الفقر والبطالة واليأس قد تكون عوامل تزيد من قابلية بعض الأفراد للانزلاق نحو هذه المسارات خصوصًا عندما يغيب الأمل وتضيق فرص الحياة الكريمة.

ولهذا فإن استمرار الضغوط الاقتصادية واتساع دائرة البطالة وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، يهدد الاقتصاد و يهدد تماسك المجتمع كله، فكل أزمة معيشية تُترك دون معالجة تتحول مع الوقت إلى أزمة اجتماعية ثم إلى تحدٍ أمني، حتى نجد أنفسنا أمام حريق كبير لا تشتعله شرارة واحدة إنما سنوات من التراكم والإهمال.

عندما غادرت شرفة المنزل لم يبق في ذاكرتي عدد المطاعم ولا عدد الصيدليات انما بقي سؤال واحد: هل نقيس تقدم المدن بكثرة الواجهات المضيئة والمطاعم والصيدليات أم بقدرة الإنسان على أن يعيش فيها بكرامة؟

فالأردن لا يحتاج إلى المزيد من المطاعم إذا كان كثيرون لا يستطيعون ارتيادها، ولا إلى المزيد من الصيدليات إذا كان المرض يزداد والدواء يثقل كاهل الأسر، ما يحتاجه هو اقتصاد يخلق فرص العمل، وسياسات تخفف أعباء المعيشة وعدالة تمنح الناس الأمل، لأن حماية المجتمع تبدأ بحماية الإنسان من الفقر قبل أن نطالبه بمواجهة نتائجه.