
الضمان الاجتماعي في الأردن.. بينخطاب الطمأنة والأزمة المؤجلة
الضمان الاجتماعي في الأردن.. بين خطاب الطمأنة والأزمة المؤجلةلقد تحوّلت بيانات وخطابات المؤسسات والمسؤولين إلى ما يمكن تسميته بـ"خطاب الطمأنة المؤسسية"، الذي يُنتج الاستقرار لغويًا ويُدار سياسيًا، وهيمحاولة لاحتواء القلق العام دون معالجة أسبابه ،وهنا يأتي إعلان الدراسة الإكتواريةللمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والذي يصف وضعها المالي بـالآمن والمستقر، بوصفه جزءًا من استراتيجية لإدارة الأزمة لا حلّها، عبر استخدام لغة تقنية وبيانات رقمية تُفرغها من بعدها الاجتماعي والسياسي.
فالتركيز على الدراسات الاكتوارية وأرقام الاستدامة حتى عام 2030 لا يعكس تقييمًا محايدًا بقدر ما يُعيد صياغة الأزمة كمسألة زمنية قابلة للتأجيل، بدل الاعتراف بطابعها الهيكلي، إذ يجري تقسيم الخطر إلى نقاط تعادلمستقبلية، وكأن الزمن وحده قادر على معالجة تناقضات ناتجة عن بطالة مرتفعة، ونمو اقتصادي ضعيف، وسوق عمل هش لا ينتج مشتركين جدد بالوتيرة المطلوبة، وهنا يُغيب السؤال الجوهري كيف يمكن لنظام قائم على تضامن الأجيال أن يستمر في اقتصاد يعجز عن إنتاج قاعدة اشتراك مستدامة؟؟؟.
يظهرالتناقض في الخطاب الرسميلمؤسسة الضمان بوضوح بين التأكيد على متانة المركز المالي والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وبين أرقام تكشف اختلالات بنيوية مقلقة، إذ يشكّل التقاعد المبكر الغالبية الساحقة من حالات التقاعد ويستنزف معظم الفاتورة التقاعدية، وهذا التناقض ليس مجرد خلل تقني ، بل أزمة هيكلية ناتجة عن إدارة نظام الضمان الاجتماعي وفق افتراضات اقتصاد نامٍ وسوق عمل منتج وقاعدة شبابية واسعة، وهي افتراضات تتصادم مع واقع البطالة ، وتوسع القطاع غير المنظم، وهجرة الكفاءات، ومع ذلك يُدار الضمان كما لو كان منفصلًا عن هذه الاختلالات لا نتاجًا مباشرًا لها، في إطار منطق اقتصادي يقدّم الحسابات المالية على متطلبات العدالة الاجتماعية.
أما الإعلان عن نقاط التعادل (2030، 2038)فيمثّل آلية واضحة لإدارة الزمن السياسي، تهدف إلى تجنّب المواجهة مع الرأي العام، وإعفاء الحكومات المتعاقبة من كلفة القرارات الصعبة، وتحميل جيل الشباب أعباء إصلاحات مؤجلة، مع الحفاظ على الامتيازات المتراكمة لجيل سابق، وبهذا تتحول العدالة بين الأجيال إلى عبء مؤجل تتحمّلهالفئات الأضعف.
وفي هذا الإطار، تُستخدم الدراسات الاكتوارية كأداة سياسية ، إذ يجري تقديم قرارات مثل رفع سن التقاعد أو خفض المنافع أو زيادة الاشتراكات بوصفها ضرورات فنية، بينما هي في جوهرها خيارات سياسية تتعلق بتوزيع الأعباء بين الدولة وأصحاب العمل والعمال، وبين الحاضر والمستقبل، وإنّ اختزال هذه الخيارات في تقاريرحسابية هو تفريغ للسياسة من مضمونها الديمقراطي .
إن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في احتمال تآكل موارد الضمان مستقبلًا، بل في استمرار إدارته كملف تقني ، لا كقضية عامة تمس جوهر العقد الاجتماعي، فالإصلاح يبدأ بالاعتراف بحجم الاختلال وفتح حواروطني شفاف حول البدائل وكلفة كل خيار، ولا يمكن فصل إصلاح الضمان عن إصلاح سوق العمل نفسه، عبر خفض البطالة، وتحسين الأجور، ووقف نزيف الهجرة، باعتبارها شروطًا وجودية للاستدامة.
لا شرعية لأي إصلاح يُفرض بيروقراطياً من الأعلى باسم الضرورة الاكتوارية، فالضمان الاجتماعي عقد جماعي، وإصلاحه لا يكتسب مشروعيته إلآّديموقراطيّا عبر الشفافية والمساءلة والمشاركة المجتمعية الحقيقية، وأن يكون للمشتركين رأيهم ودورهم من خلال نقابتهم ومنظماتهم العمالية والمهنية ، وإعادة تعريف دور الدولة كشريك يتحمّل نصيبه العادل من الكلفة، من خلال مساهمات مباشرة وسياسات ضريبية أكثر عدالة، فالعدالة التأمينية لا تنفصل عن العدالة الضريبية، وأي فصل بينهما هو التفاف على جوهر الأزمة.
لم يعد السؤال هو ما إذا كان الضمان بحاجة إلى إصلاح، بل ما إذا كانت هناك إرادة للإصلاح ، أم أن الأزمة ستُرحَّل مجددًا حتى تفرض نفسها بكلفة اجتماعية يدفعها من لا صوت لهم في معادلة القرار.
محمد قاسم عابورة
حين لا يكون الموت قدرا
الباشا الحباشنة يكتب ..الكرك بين المطر والإخفاق… متى نتعلّم؟
تطبيق سند… خطوة متقدمة على طريق التحول الرقمي، لكن الطريق لا يزال طويلاً
حل لغز ارتفاع فواتير الكهرباء في الشتاء
عندما يصبح الخائن كلمة المرور… وتسقط الأوطان بضغطة زر.
أسطوانة الغاز خارج التغطية الرقمية
الأردن.. رؤية مستقبلية في زمن التحولات الكبرى
رسالة الميلاد من الأردن ... وطن ترتيلته المحبة