آخر الأخبار
  وزارة الزراعة : لا حاجة لاستيراد زيت الزيتون في ظل وفرة الإنتاج   البنك الدولي: برنامج (أرضي) دعم 63 ألف مزارع   الصبيحي: 185 مليون دينار رواتب متقاعدي الضمان لشهر تشرين الأول وفجوة كبيرة بين الرواتب التقاعدية   الجمعة .. الأغوار بدرجات حرارة تتفوق على الخليج   وزارة التربية: 63 إلى 64 ألف طالب متوقع شمولهم بالمنح والقروض الجامعية   الخطيب: وزارة التربية متمسكة بتطوير نظام التوجيهي ومعالجة الثغرات وتوسيع خيارات الطلبة   تحذير مهم من وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية   "كان يردد دائمًا قيمة الإنسان بالأثر الذي يتركه بعد رحيله" .. رحيل الدكتور "محمود عباد" استشاري قلب الأطفال بعد معاناة مع المرض   التربية تحذر من الالتحاق بمدارس خارج الأردن غير معتمدة وتؤكد عدم معادلة شهاداتها   إياد سمارة يعلن عزمه خوض انتخابات غرفة تجارة الأردن ممثلاً لقطاع الصحة والأدوية ومستلزمات التجميل   إغلاق باب الترشح لانتخابات الغرف التجارية باستثناء الشونة الجنوبية   تعيين رئيس التشريع والرأي عضواً في ديوان تفسير القوانين   إرادتان ملكيتان بالسفيرين خير والمبيضين   حجازين يقود تحركات سياحية في إسطنبول لاستقطاب السوق التركي وفتح أسواق جديدة   لماذا لم تعدّل التربية مواعيد دوام الطلبة خلال الشتاء؟ .. مصدر يوضح   بيان أردني سوري: ضرورة وقف التوغّلات الإسرائيلية في الأراضي السورية   الملك يستقبل الشيباني ويؤكد دعم الأردن لسوريا في الحفاظ على أمنها   التربية تحدد مواعيد الدوام المدرسي .. 7:45 الطابور الصباحي   ضبط 6 اعتداءات جديدة على المياه في سحاب   البلبيسي: نرصد تطورات إيبولا مع تشديد الرقابة .. وإصابات كورونا محدودة

السردية الأردنية

Friday
{clean_title}
السردية الأردنية
حين يصبح التاريخ مسؤولية حضارية
بقلم: العميد (م) ممدوح سليمان العامري*
ليس من ترفٍ فكري، ولا من سجالٍ أكاديمي معزول، أن نعيد النظر في الطريقة التي يُستدعى بها التاريخ عند الحديث عن السردية الأردنية، فالتاريخ، حين يُقرأ خارج سياقه، أو يُختزل في مرحلة مضطربة، يتحول من رافعة للوعي إلى عبء على الحاضر، ومن مصدر قوة إلى أداة إرباك وتشويه.
في هذا السياق، يقتضي الإنصاف التاريخي القول إن الأردن، ومعه المشرق العربي عموماً، لم يكن يوماً في مواجهة مع دولة الخلافة العثمانية بوصفها كياناً حضارياً جامعاً، ولم يثر عليها كفكرة أو مشروع، فما واجهته شعوب المنطقة لم يكن الدولة في بنيتها التاريخية، بل ممارسات القمع والاستبداد التي رافقت المرحلة الأخيرة من عمرها، حين انتقلت السلطة الفعلية إلى نخبة حزبية عسكرية ممثلة بحزب الاتحاد والترقي.
ويكتمل هذا الفهم عند التوقف عند دور حركة "تركيا الفتاة"، التي يُخطئ كثيرون حين يتعاملون معها بوصفها مرادفاً للدولة العثمانية أو امتداداً طبيعياً لها، فـ"تركيا الفتاة" لم تكن دولة ولا تعبيرا عن إرادة شعوبها، بل حركة سياسية عسكرية تشكّلت داخل الجيش والإدارة، ونجحت بعد عام 1908 في اختطاف القرار السياسي، وإضعاف المؤسسات التاريخية، وتحويل الدولة إلى كيان تُديره لجنة حزبية ضيقة الأفق.
قادت هذه الحركة الدولة إلى قطيعة حادة، تحت شعارات الدستور والإصلاح مع بنيتها التعددية التي استمرت قرونا، عبر سياسات التتريك القسري، وتهميش العرب، وإقصاء النخب المحلية، وعسكرة الحكم، وتحويل الخلاف السياسي إلى مسألة أمنية، ولم يكن ذلك انحرافا عابرا، بل مسارا تصاعديا انتهى إلى تفكيك العقد السياسي داخل الدولة نفسها.
وفي ظل هذا النهج، صعدت شخصيات مثل جمال باشا الملقب ب"السفاح"، الذي مثّلت مشانق دمشق وبيروت في عهده الذروة الرمزية لانهيار العلاقة بين المركز والأطراف، وتحول الدولة من إطار جامع إلى سلطة قمعية، وعند تلك اللحظة المفصلية، لم يعد الصمت خيارا، ولم يعد الإصلاح من الداخل ممكنا، ولم يكن الاعتراض العربي خروجا على الدولة، بل ردّ فعل طبيعي على انحراف السلطة واختطافها.
من هنا جاء استدعاء الشريف الحسين بن علي، شريف مكة وهاشمي النسب، من قبل أحرار العرب ووجهائهم ونخبهم، ليتحمّل مسؤولية تاريخية ثقيلة، ولم يكن ذلك الاستدعاء بحثا عن قطيعة مع الخلافة، ولا تمرّدا على الإسلام، بل محاولة أخيرة لإنقاذ الكرامة السياسية، واستعادة الشراكة داخل الفضاء الإسلامي، في مواجهة حزب صادر الدولة وأدخلها في مغامرات مدمّرة.
وعليه، فإن الثورة العربية الكبرى لم تكن ثورة على الدولة العثمانية بوصفها إرثا حضاريا، بل ثورة على الظلم، وعلى الاستبداد، وعلى تحويل الدولة إلى أداة قمع بيد حزب سياسي تحالف، بوعي أو بغير وعي، مع القوى الغربية، وأسهم في تفكيك الدولة وتمهيد الطريق للاحتلالات، وفي مقدمتها احتلال فلسطين.
والتمييز هنا ليس تفصيلا لغويا ولا ترفا فكريا، بل جوهر الفهم التاريخي، فالدولة العثمانية، التي امتد نفوذها قرونا من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا، وأسهمت في بناء منظومة حكم وتنظيم اجتماعي وعمراني واسع، لا يجوز اختزالها في تجربة حزب حكم سنواتها الأخيرة وكان أحد أسباب سقوطها، كما لا يجوز تحميل حركة تحررية قادها الشريف الحسين بن علي، استجابة لنداء المظلومين، وزر ذلك الانهيار.
إن القراءة الانتقائية للتاريخ، التي تخلط بين الدولة ككيان حضاري، والحزب كسلطة منحرفة، لا تخدم الحقيقة، بل تُنتج سرديات مشوّهة تُضعف الوعي الجمعي، وتقطع الذاكرة الأردنية عن سياقها العربي والإسلامي الأوسع،
ومن هنا، فإن أي نقاش جاد حول السردية الأردنية يجب أن ينطلق من حقيقة راسخة؛ أن الأردن ليس كيانا طارئا ولا جزيرة معزولة عن محيطه، بل امتداد تاريخي لمشروع عربي نهضوي تشكّل في لحظة مواجهة مع الظلم، لا في لحظة قطيعة مع التاريخ.
فالسردية لا تُبنى بإنكار الماضي، ولا بتقديسه بلا نقد، ولا بتحويله إلى مادة خصومة أيديولوجية، بل بقراءته قراءة منصفة، تُميّز بين التجربة الحضارية الكبرى، وانحرافات السلطة في مراحلها المتأخرة.
السردية ليست شعارا، ولا فولكلورا، ولا مناسبة خطابية؛ السردية مسار تراكمي من التجربة، والتضحيات، وبناء الدولة والمجتمع، وحين تُختزل في رموز سطحية، تفقد معناها، وحين تُفصل عن سياقها التاريخي، تفقد وظيفتها الحقيقية.
صحيح أن التاريخ كثيرا ما يُكتب في ظل توازنات القوة، ويُعاد تأويله لخدمة الحاضر السياسي، لكن مسؤولية الإعلام والنخب الفكرية اليوم هي حماية الذاكرة من التشويه، وعدم الوقوع في فخ اختزال أمة كاملة في تجربة حكم منحرفة أو مرحلة سوداء من القمع، فالأمم التي لا تُنصف تاريخها، لا تُحسن قراءة حاضرها، ولا تمتلك أدوات بناء مستقبلها.
*مدير التوجيه المعنوي الأسبق