من السوشال ميديا إلى القضاء.. هل يمكن الوثوق بالدليل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
بقلم : الدكتور عدي تركي الفواعير
لم تعد الرسائل والصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي مجرد محتوى عابر على الهاتف بل أصبحت في كثير من القضايا وسيلة يمكن أن تصل إلى قاعة المحكمة وتدخل في تكوين قناعة القاضي.
قانونيا لا يمكن القول إن كل رسالة أو صورة أو تسجيل صوتي يمثل دليلا قاطعا أو قرينة قانونية بذاته فالعبرة بطبيعة المحتوى ومصدره وسلامته وإمكانية نسبته إلى صاحبه ومشروعية الحصول عليه ومدى علاقته بالدعوى وإنتاجه في الإثبات.
وقد عزز المشرع الأردني الاعتراف بالحجية القانونية للمعلومات الإلكترونية من خلال قانون المعاملات الإلكترونية رقم 15 لسنة 2015 وتعديلاته وآخرها القانون المعدل رقم 1 لسنة 2026 حيث نصت المادة 9 مكررة ب على أن المعلومات الإلكترونية والسجل الإلكتروني اللذين تنطبق عليهما الشروط الواردة في القانون تكون لهما حجية الأسناد الخطية.
كما أن قانون البينات رقم 30 لسنة 1952 وتعديلاته عالج وسائل الاتصال الحديثة فنصت المادة 13 منه على حالات تكون فيها الرسائل ووسائل الاتصال الحديثة ذات قوة الأسناد العادية في الإثبات وفقا للشروط التي حددها القانون.
وفي القضايا الجزائية فإن الأصل أن البينة تقام بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية وفقا للمادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 9 لسنة 1961 وتعديلاته على أن تكون البينة قد قدمت أثناء المحاكمة وتمت مناقشتها بصورة علنية وفقا للمادة 148 من القانون ذاته.
لكن الذكاء الاصطناعي أوجد تحديا جديدا يتمثل في إمكانية إنشاء صورة أو تسجيل صوتي أو مقطع فيديو يبدو حقيقيا وهو في الحقيقة معدل أو مصنوع بالكامل.
وهنا لا تسقط الحجية عن الدليل الإلكتروني لمجرد الادعاء بأنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي كما لا تثبت صحته لمجرد وجوده على الهاتف أو على إحدى منصات التواصل الاجتماعي وإنما يصبح السؤال القانوني هو مدى إمكانية التحقق من مصدر الدليل وسلامته وعدم العبث به وإمكانية نسبته إلى الشخص المعني.
وفي هذه الحالة يمكن للمحكمة الاستعانة بالخبرة الفنية متى كانت المسألة تحتاج إلى معرفة فنية متخصصة للتحقق من التسجيل أو الصورة أو الفيديو وبيان ما إذا كان قد تعرض للتعديل أو التلاعب ومدى سلامة البيانات المرتبطة به.
لذلك فإن عصر الذكاء الاصطناعي لم يلغ الدليل الإلكتروني وإنما جعل التحقق من أصالته وسلامته ونسبته أكثر أهمية.
فالقاعدة ليست أن كل ما نراه على الشاشة دليل ولا أن كل ما يمكن اصطناعه بالذكاء الاصطناعي دليل مزيف وإنما الدليل الإلكتروني شأنه شأن غيره من أدلة الإثبات يخضع للقانون وللتحقق من سلامته ولتقدير المحكمة في ضوء ظروف كل قضية.
وفي النهاية أصبح التحدي الحقيقي أمام القضاء ليس في وجود الدليل الإلكتروني وإنما في القدرة على التمييز بين الدليل الحقيقي والدليل الذي جرى التلاعب به وهنا تبرز أهمية الخبرة الفنية إلى جانب القواعد القانونية في الوصول إلى الحقيقة القضائية.