آخر الأخبار
  مندوبا عن الملك وولي العهد .. العيسوي يعزي عشيرة الجريسات   الموافقة على تكفيل الناشطة نبيلة الحشوش   حسان يوجه بالتشديد على منع إدخال الأراجيل إلى الحدائق والمرافق العامة   "العمل" توضح تفاصيل تمديد قرار تصويب أوضاع العمالة غير الأردنية حتى ديسمبر المقبل   الحكومة: أولوياتنا الاستثمارية خارج العاصمة لتعزيز التنمية في المحافظات   رفع أجور عصر الزيتون في الأردن   إرادة ملكية بتعيين الفايز رئيسا لمجلس الأعيان .. والخياط عضوا   اللواء المعايطة يرعى مراسم تخريج دورة إعداد وتأهيل الشرطة المستجدين في الكفرين   محافظ العاصمة يمنع فعالية دُعي لها ظهر الجمعة في وسط البلد   الأمير الحسن: أسلحة تشتيت شامل تُستخدم في المنطقة   ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 84 دينارا للغرام   "الغذاء والدواء": توفير مطعوم الإنفلونزا المـوسميـة خـلال يوميـن   العمل: 154 ألـف عامل صوّبوا أوضاعهم و7 آلاف غادروا نهائيًا   ارتفاع مبيعات الشقق الصغيرة 24% في أيلول   طقس معتدل حتى السبت وزخات مطرية متفرقة   عمان الأهلية توقع مذكرة تفاهم مع محرك الإجابات العربي جيم   وزير التربية: عامان للثانوية العامة غير كافيين .. والتوجيهي يحتاج إلى مزيد من الإصلاح   الأرصاد تحسم الجدل: «النينو» لا تؤثر مباشرة على الأردن .. وهذه توقعات حالات عدم الاستقرار المقبل   أمانة عمّان: تحديد أسعار "الفاليت" ليس من صلاحياتنا   حسان: استمرار استبدال المدافئ غير الآمنة للمواطنين

الدكتور بكر الشوابكة يكتب : هل تضاءل الراتب أم تضاعفت الأولويات

Friday
{clean_title}
جراءة نيوز - 
بقلم الدكتور بكر الشوابكة

في بداية كل شهر يدخل الراتب إلى حسابنا وكأنه يدخل معركة خاسرة فلا يكاد يصل حتى تبدأ الالتزامات في اقتسامه قسط هنا وفاتورة هناك ومصاريف بيت وتعليم ومواصلات وعلاج ومناسبات اجتماعية ثم نكتشف أن ما تبقى منه لا يكفي حتى نصل إلى نهاية الشهر فنقول إن الراتب لم يعد يكفي لكن هل المشكلة في الراتب وحده أم أن الحياة أصبحت أكبر من الراتب

هذه هي المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها فالراتب الذي كان يكفي الأسرة قبل سنوات لم يعد بالضرورة يكفيها اليوم لكن الحياة أيضا لم تبق كما كانت فقد تغيرت احتياجاتنا وتغيرت أولوياتنا وتغير مفهوم الضروري والكمالي ودخلت إلى حياتنا تفاصيل لم تكن موجودة أصلا فأصبح الطعام يصل إلى باب البيت بضغطة زر وأصبح التسوق يتم من الهاتف وأصبح التوصيل جزءا من الحياة اليومية وأصبحت بعض المشروبات والمأكولات والحلويات تباع بأسعار تجعلنا نتساءل هل نحن ندفع ثمن ما نأكله أم ثمن الاسم والصورة والمكان

المشكلة أن بعض هذه الأشياء لم تعد تستهلك فقط من أجل الحاجة أو حتى من أجل المتعة وإنما أصبحت أحيانا وسيلة للشعور بأننا لسنا أقل من الآخرين فالمشروب الغالي لا يشرب دائما لأنه ألذ والمأكول الغالي لا يشترى دائما لأنه أفضل والحلوى التي تحمل اسما معروفا لا تكون بالضرورة مختلفة في طعمها عن غيرها لكن الإنسان قد يدفع ثمنها لأنه يريد أن يشعر أنه يستطيع شراءها ثم يصورها وينشرها على مواقع التواصل وكأنه لا يشتري المنتج فقط وإنما يشتري معه صورة عن نفسه أمام الآخرين

وهنا تغيرت المعادلة فالأمر لم يعد بين الإنسان ودخله فقط وإنما أصبح بين الإنسان ودخله وبين الصورة التي يريد أن يظهر بها للآخرين فنحن لا نرى فقط ما نحتاجه بل نرى ما يملكه الآخرون ونرى أين يأكلون وماذا يشربون وماذا يشترون وأين يسافرون وما الذي يحملونه ثم تبدأ المقارنة بصمت وقد تتحول الرغبة إلى حاجة والحاجة إلى عادة والعادة إلى التزام يصعب التخلي عنه

ومع ذلك من الظلم أن نحمل الإنسان وحده مسؤولية هذه المعادلة فهناك أسرة لا تبحث عن الرفاهية وإنما تريد أن تدفع إيجارها وتعلم أبناءها وتوفر احتياجاتها الأساسية وتصل إلى نهاية الشهر دون أن تضطر إلى الاستدانة وهذه ليست حياة مترفة وإنما حياة طبيعية ومن حق الإنسان أن يبحث عن مستوى من الاستقرار يشعر معه أن سنوات عمله وتعبه لم تذهب فقط في ملاحقة الالتزامات

لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى أن نكون صريحين مع أنفسنا فليست كل زيادة في الإنفاق دليلا على تحسن مستوى الحياة وليست كل كمالية ترفا حقيقيا وليست كل رغبة حاجة وبعض الأشياء التي أصبحت اليوم تبدو لنا ضرورية لم تكن كذلك قبل سنوات وبعض ما نشتريه لا نشتريه لأننا نحتاجه فعلا وإنما لأننا لا نريد أن نشعر بأننا أقل من غيرنا

وهنا يظهر جانب آخر من المشكلة فقد أصبح الهاتف قادرا على أن يحول الاستهلاك إلى عرض يومي مستمر نرى فيه حياة الآخرين ونقارنها بحياتنا ثم نحاول أن نثبت لأنفسنا ولهم أننا نستطيع أن نعيش مثلهم وربما أكثر منهم فأصبح بعض الناس لا يشتري الشيء فقط ليستخدمه وإنما ليعرض قدرته على شرائه وكأن قيمة الإنسان أصبحت تقاس أحيانا بما يستطيع أن يظهره لا بما يستطيع أن يعيشه فعلا

ولهذا ربما لا تكون المشكلة دائما أن الراتب أصبح صغيرا وحده وربما لا تكون المشكلة أيضا أن الإنسان أساء إدارة دخله دائما فهناك من يحسب نفقاته بدقة ومع ذلك يجد أن دخله ينتهي قبل أن تنتهي احتياجاته وهناك من لا يبحث عن الرفاهية وإنما يحاول فقط أن يوفر لأسرته حياة مستقرة لكن في المقابل هناك أيضا من اتسعت حياته بما يتجاوز قدرته لأنه أراد أن يواكب صورة معينة للحياة

لذلك فإن مشكلة الراتب ليست مجرد رقم وإنما هي علاقة بين الدخل وبين كلفة الحياة وبين ما نحتاجه فعلا وبين ما أقنعنا أنفسنا أننا بحاجة إليه وربما لهذا أصبح الإنسان يعمل أكثر ولا يشعر أنه يعيش أفضل وقد يحصل على زيادة في راتبه ثم يكتشف أن الحياة سبقته إلى تلك الزيادة بالتزام جديد أو عادة جديدة أو رغبة جديدة

وربما هنا يجب أن نسأل السؤال الذي لا نحب كثيرا أن نسمعه هل تضاءل الراتب فعلا أم تضاعفت الأولويات وهل أصبحت الحياة أكثر كلفة فقط أم أننا جعلناها أكثر كلفة على أنفسنا أيضا وهل نحن نشتري ما نحتاجه فعلا أم نشتري أحيانا شعورا بأننا لسنا أقل من غيرنا

فالراتب قد يكون محدودا وهذا أمر حقيقي لكن الأخطر أن تصبح رغباتنا بلا حدود وأن يتحول الاستهلاك من وسيلة نعيش بها إلى وسيلة نثبت بها قيمتنا وهنا لا يعود السؤال كم راتبك وإنما كم تحتاج حتى تشعر أنك كاف أمام نفسك وأمام الآخرين