تشخيص ملكي هاشمي لأزمة العصر : كيف تسرق الـ 47 ثانية عمقنا الإنساني .
الكاتب : الدكتور عُدي تركي الفواعير
في عالمٍ تتدفق فيه المعرفة بغزارة غير مسبوقة، وتتسارع خطى التغيير بوتيرة تلهث خلفها العقول، يبرز التساؤل الفلسفي الأعمق: هل جعلتنا ثورة المعلومات أكثر وعياً بمآسي الإنسان، أم أنها حوّلت وعينا إلى ومضات عابرة لا تكاد تستقر حتى تتلاشى؟
من هذا المنطلق الاستثنائي، لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين - حفظه الله ورعاه - في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد تشخيص سياسي تقليدي للأزمات، بل كان قراءة عميقة وجريئة في سيكولوجية المجتمع الدولي المعاصر. حين التقط جلالته خيطاً دراسياً لافتاً يكشف تراجع متوسط مدة انتباه الفرد أثناء مشاهدة الشاشة من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية فقط اليوم، لم يكن يلقي إحصائية تقنية عابرة، بل كان يضع يده على جرح الإنسانية الأكبر في هذا العصر؛ "الانتباه كعملة جيوسياسية نادرة".
هذه الـ 47 ثانية تختزل معضلة أخلاقية وسياسية مرعبة. فالشاشة، برغم أنها لا تعكس العالم بأسره، أصبحت هي الموجه الخفي لتعاطف الدول وصناع القرار. الخطورة تكمن في أن قِصَر انتباه الإنسان الرقمي قد انتقل بعدواه إلى النظام الدولي والمؤسسات الأممية. فبينما يصحو العالم كل يوم على مأساة جديدة، وطوارئ مستجدة، وصراعات متلاحقة، تصبح الذاكرة السياسية العالمية أقصر من أي وقت مضى. تشتعل أزمة، فتركز الشاشات عدساتها عليها، وما إن تلوح أزمة أخرى حتى تنصرف العدسات، وتتحول الدماء والمعاناة الإنسانية السابقة – في غزة أو السودان أو غيرهما – إلى مجرد أرقام اعتيادية في الهامش، وتطبع المآسي لتصبح جزءاً من واقع يومي مألوف يمر عليه الضمير العالمي مرور الكرام.
إن تشخيص جلالة الملك يتجاوز نقد السلوك البشري أمام الشاشات ليفكك فخ التعاطف الانتقائي والمؤقت. إن ما نختاره لنمنحه انتباهنا اليوم هو الذي يحدد مصير النزاعات، وما نقرر تجاهله أو التغاضي عنه بداعي "الملل الرقمي" أو التشتت، سيعود ليصيغ مستقبلنا بشكل أكثر قسوة. لقد قرع الموقف الهاشمي جرس إنذار حقيقي: إن بقاء القضايا العادلة رهناً بـ "خوارزميات" الشاشة ومدى انتباه لا يتجاوز ثوانٍ معدودة، هو إعلان غير مباشر عن موت العمل الدبلوماسي المستدام، وانتصار لسياسة إدارة الأزمات لا حلها.
في نهاية المطاف، يبقى خطاب الملك دعوة كونية لاستعادة إنسانيتنا وتركيزنا في زمن التشتت الشامل، وتنبيهًا بأن الحقوق التاريخية للشعوب وصونها من الإبادة والمحو لا يمكن أن تُترك لعالم محكومٍ بعقلية الـ 47 ثانية؛ عالم يرى الكثير، لكنه لم يعد يملك الوقت ليشعر بالعمق أو ليتحرك بالعدل.