آخر الأخبار
  ترامب: سنرد على إسقاط إيران مروحية أباتشي فوق "هرمز"   ولي العهد: الثقة بمنتخب النشامى في كأس العالم "كبيرة"   دراسة لإقامة مهرجان جرش أكثر من دورة خلال العام   فرنسا تفرض عقوبات على مستوطنين وتحظر دخول سموتريتش   24.8 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمان   الأردن يشتري 60 ألف طن قمح في مناقصة   مندوبا عن الملك وولي العهد .. العيسوي يعزي عشيرة بني هاني   الفراية يفتتح مبنى محافظة مأدبا الجديد   العمل الدولية: الأردن يرسخ مكانته مركزاً إقليمياً للتدريب والتنمية التعاونية   مصدر حكومي يوضح: زيادة الرواتب ستشمل موظفي البلديات .. لكن من موازناتها   الاتحاد الآسيوي: منتخب النشامى يتطلع لصناعة إرثه الخاص في المونديال   اتحاد العمال يطالب برفع الحد الأدنى للأجور 30 دينارا   الأردن بعيد عن الموجات الحارة خلال 10 أيام قادمة   عيد ميلاد سمو الأمير هاشم بن الحسين الأربعاء   وزير الطاقة: مستمرون بتنفيذ مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي   غرف الصناعة تشيد بقرار رفع الأفضلية السعرية للمنتجات الوطنية الى 20%   دعمًا للنشامى .. الملكية الأردنية تزيّن طائراتها بصور المنتخب   النقل البري: الكيلو متر الاخير في الأردن مفقود   العيسوي: عيد الجلوس الملكي يجسد مسيرة بناءٍ لا تعرف التراجع ورسالة وفاء للأردن وأهله   بسطامي وصاحب تسلط الضوء على فوز نيسان باترول بجائزة "آي أف" العالمية المرموقة للتصميم لعام 2026

الرأفة الرقمية: كيف تحوّل مواقع التواصل الجاني إلى ضحية؟

Tuesday
{clean_title}
الكاتب : الدكتور عدي تركي الفواعير
الرأفة الرقمية: كيف تحوّل مواقع التواصل الجاني إلى ضحية؟

الكاتب : الدكتور عدي تركي الفواعير

في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل والدراسة، تتمثل في التحول السريع للرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي من إدانة الجاني إلى التعاطف معه، بل وأحيانًا إلى اعتباره ضحية تستحق الشفقة أكثر من الضحية الحقيقية ذاتها. فبمجرد انتشار خبر جريمة ما، تبدأ موجة من التعليقات والتحليلات التي تبحث عن المبررات والأعذار للجاني، وتتسابق بعض الصفحات والحسابات إلى سرد ظروفه الشخصية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وكأن هذه الظروف كفيلة بإلغاء مسؤوليته عن الفعل الجرمي الذي ارتكبه.

لقد أصبحت المنصات الرقمية بيئة خصبة لتشكيل الأحكام العاطفية السريعة، حيث يتفاعل الجمهور مع الصور والمقاطع المؤثرة والقصص الإنسانية أكثر من تفاعله مع الوقائع القانونية المجردة. فحين تُنشر صورة للجاني مع أسرته أو أطفاله، أو يتم الحديث عن ظروفه المعيشية الصعبة، تتجه مشاعر الكثيرين نحو الرأفة والتعاطف، بينما تتراجع في المقابل مشاعر الإنصاف تجاه الضحية التي تعرضت للاعتداء أو الضرر.

والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا، فالإنسان بطبيعته يميل إلى التعاطف مع الضعف والمعاناة، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي ضاعفت هذا التأثير بشكل غير مسبوق. فالمتلقي لا يرى ملف القضية كاملاً، ولا يطّلع على الأدلة والتحقيقات والتفاصيل القانونية، بل يتعامل مع جزء محدود من الصورة يتم تقديمه بطريقة مؤثرة عاطفيًا، مما يدفعه إلى إصدار أحكام مبنية على المشاعر أكثر من الحقائق.

ومن الناحية النفسية، يحاول كثير من الناس البحث عن أسباب الجريمة لأنهم يرغبون في فهمها، لكن هذا الفهم يتحول أحيانًا إلى تبرير. فهناك فرق كبير بين تفسير السلوك الإجرامي وبين تبريره. فالفقر أو التفكك الأسري أو الضغوط النفسية قد تساعد في فهم الدوافع التي دفعت شخصًا ما إلى ارتكاب الجريمة، لكنها لا تنفي مسؤوليته عنها ولا تمحو آثارها على الضحية والمجتمع.

أما من الناحية القانونية، فإن العدالة الجنائية تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن المسؤولية الجزائية تُبنى على الفعل المرتكب وأركانه القانونية وظروفه الثابتة، لا على الانطباعات العاطفية أو حملات التعاطف الشعبية. ولذلك فإن التشريعات الحديثة تميز بين الظروف المخففة للعقوبة وبين نفي المسؤولية عنها. فحتى عندما يأخذ القاضي ببعض الأسباب المخففة التقديرية أو القانونية، فإن ذلك لا يعني إنكار وقوع الجريمة أو تحويل الجاني إلى ضحية، بل هو جزء من سلطة القضاء في تحقيق التوازن بين العدالة والرحمة وفق ضوابط قانونية محددة.

وتكمن الخطورة الحقيقية عندما يتحول التعاطف إلى ضغط مجتمعي على سير العدالة، أو عندما تصبح مشاعر الرأفة سببًا في تهميش حقوق الضحايا وتجاهل معاناتهم. فالضحية غالبًا ما تكون الطرف الأضعف في المشهد الإعلامي، لأنها لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام الذي يحظى به الجاني عندما تُروى قصته الإنسانية بصورة مؤثرة. وهنا تنشأ مفارقة مؤلمة تتمثل في أن المجتمع قد ينشغل بالدفاع عن مرتكب الجريمة أكثر من انشغاله بإنصاف من وقعت عليه الجريمة.

إن الرحمة قيمة إنسانية نبيلة لا خلاف عليها، لكن العدالة تبقى القيمة التي تحمي المجتمع وتصون الحقوق. فليس المطلوب أن نتجرد من إنسانيتنا، وإنما أن نوازن بين العقل والعاطفة، وبين التعاطف والإنصاف. ففهم أسباب الجريمة أمر ضروري لمعالجتها والوقاية منها، أما تبريرها أو تحويل الجاني إلى ضحية دائمة فهو مسار قد يؤدي إلى تشويه الوعي القانوني وإضعاف الثقة بمفهوم العدالة ذاته.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كلما شاهدنا قضية تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي: هل نتعاطف مع الإنسان بسبب ظروفه، أم أننا نمنحه مبررات تعفينا من مواجهة حقيقة فعله؟ فبين الرأفة والعدالة خيط رفيع، وإذا انقطع هذا الخيط ضاعت حقوق الضحايا، وتحولت الجريمة من فعل مدان إلى قصة تستجلب التعاطف وتبحث الاعذار