يسجّل الذهب موجة ارتفاع تاريخية دفعته إلى تجاوز حاجز خمسة آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى، وسط اضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متصاعدة حول العالم. وبينما يشهد المستثمرون اهتزازاً في الثقة بالعملات والسندات السيادية، يعود المعدن الأصفر إلى الواجهة بوصفه خياراً دفاعياً يستعيد مكانته التقليدية كـ"ملاذ آمن" في زمن الأزمات.
ووسط الارتباك الذي يلفّ الاقتصاد العالمي وتزايد الإقبال على الملاذات الآمنة، يبرز الذهب عنواناً رئيسياً لمرحلة مضطربة تتقاطع فيها سياسات البنوك المركزية مع مخاوف التضخم وتقلّبات الأسواق. وفي محاولة لفهم هذا الاندفاع غير المسبوق نحو المعدن الأصفر، يمكن من خلال تقرير أوردته بلومبيرغ اليوم الثلاثاء، استخلاص إجابات واضحة عن خمسة أسئلة محورية تكشف الخلفيات الاقتصادية والجيوسياسية للصعود القياسي للذهب، الذي تجاوزت أونصته عتبة 5100 دولار، وتفسّر لماذا أصبح الخيار الأكثر أماناً في حسابات المستثمرين والدول على حدّ سواء.
1 - لماذا يُعدّ الذهب ملاذاً آمناً؟
لطالما احتفظ الذهب بسمعته بوصفه أصلاً قادراً على تثبيت القيمة عبر الزمن، خصوصاً حين تهتز الأسواق أو تتراجع الثقة بالحكومات، وذلك لجملة أسباب:
• الأول السيولة الهائلة التي يتميز بها، إذ يُتداول الذهب يومياً بمئات المليارات، ما يتيح للمستثمرين الكبار الدخول والخروج من السوق دون تحريك الأسعار بشكل مبالغ فيه.
• والثاني أنه لا يرتبط بجهة مُصدِرة، إذ بخلاف الأسهم والسندات، لا يعتمد الذهب على ملاءة شركة أو دولة.
• والثالث أن ثمة علاقة عكسية مع الدولار، إذ عندما يضعف الدولار، يصبح الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى، ما يعزّز الطلب عليه.
• والرابع أنه أداة تحوّط أساسية، فالمحافظ الاستثمارية الضخمة تميل إلى إدراجه لامتصاص تقلبات الأصول المقوّمة بالدولار.
• وإلى جانب ذلك، أدّت الديون الحكومية المتضخّمة عالمياً إلى اهتزاز الثقة بالسندات السيادية والعملات الوطنية، ما غذّى ما يُعرف بـ"تجارة التحوّط من تدهور العملات" إذ يتزاحم المستثمرون على الذهب والفضة وسائر المعادن الثمينة.
• كما يزداد الاهتمام بالذهب مع الضغوط السياسية المتصاعدة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لخفض الفوائد، وهو ما يجعل الاحتفاظ بأصل غير مدرّ للفائدة مثل الذهب أكثر جاذبية.
2 - هل المستثمرون وحدهم من يشترون الذهب؟
ليس الذهب ليس مجرد أداة مالية، فهو عنصر راسخ في الثقافات، خصوصاً في الهند والصين، أكبر سوقين عالميين للمعدن. وتمتلك الأسر الهندية نحو 25 ألف طن من الذهب، أي أكثر بخمس مرات من احتياطي "فورت نوكس" الأميركي. ورغم حساسية الطلب على الحلي لارتفاع الأسعار، عادةً ما يتدخّل المشترون لاقتناص الفرصة عند تراجع شهية المستثمرين الماليين، ما يوفّر أرضية داعمة للأسعار. لكن في السنوات الأخيرة، أدّى الارتفاع الحاد والمتواصل في الأسعار إلى تراجع الطلب على المشغولات الذهبية رغم مكانتها التقليدية.
3 - لماذا تزيد البنوك المركزية مشتريات الذهب؟
يشكّل إقبال البنوك المركزية عاملاً أساسياً في موجة الصعود الراهنة، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على الدولار. فبعد تجميد الأصول الروسية إثر غزو أوكرانيا، أعادت دول كثيرة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالاحتياطات الأجنبية. وقد واصلت الصين شراء الذهب على مدى 14 شهراً متتالياً حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، في خطوة تعكس رغبتها في تنويع احتياطاتها. وبولندا، بدورها، أقرت خطة لشراء 150 طناً إضافية استعداداً لمرحلة من الاضطرابات الجيوسياسية. ومع أن هذا الاتجاه ليس جديداً، بيد أنه تسارع بشدة خلال السنوات الأخيرة، ما منح الأسعار دعماً قوياً ومتواصلاً.
4 - ما الذي قد يوقف صعود الذهب لاحقاً؟
ورغم الزخم القوي، توجد عوامل قادرة على كبح ارتفاع الذهب، وتبدأ من ارتفاع قيمة الدولار أو تراجع التوترات الجيوسياسية، وانفراج في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين أو تهدئة في ساحات التوتر مثل أوكرانيا، وصولاً إلى تراجع مشتريات البنوك المركزية، وهو عامل أساسي في السوق الحالية.
وكذلك وصول بعض البنوك إلى حدود مستهدفاتها من الذهب قد يدفعها إلى البيع، كما حدث مع مقترحات صدرت عن البنك المركزي الفلبيني. ومع ذلك، تبدو البنوك المركزية المتقدمة أقل ميلاً للبيع مقارنة بالتسعينيات، حين أدّت موجة مبيعات جماعية إلى سقوط الأسعار لأكثر من عقد.
5 - هل يواجه الذهب مشاكل بسبب كونه أصلاً مادياً؟
كما أنه بالرغم من جاذبيته، يطرح الذهب بعض التعقيدات العملية، لناحية: تكلفة التخزين والتأمين مرتفعة، والفارق بين السعر الفوري وسعر البيع الفعلي قد يزيد مع ازدياد الطلب، ومعايير الوزن تختلف بين الأسواق، إذ إن لندن تعتمد سبائك 400 أونصة، بينما يطلب "كومكس" في نيويورك سبائك 100 أونصة أو كيلوغرام واحد. ولذلك غالباً ما تُشحَن السبائك إلى سويسرا لإعادة صهرها وتغيير أبعادها، ما يخلق اختناقات لوجستية عند تغيّر الاتجاهات التجارية فجأة، كما حدث في مطلع 2025 حين خشيت الأسواق من فرض رسوم على واردات الذهب إلى الولايات المتحدة.