14.3 مليار دينار من الديون.. هل نقترض لنعيش أم نعيش لنسدد؟
ارتفاع مديونية الأفراد يفتح سؤالًا يتجاوز الأرقام: هل أصبح الاقتراض وسيلة لبناء المستقبل أم ضرورة لتغطية أعباء الحاضر؟
بقلم: اللواء المتقاعد
طارق عبدالمحسن الحباشنة
ماجستير إدارة استراتيجية
لم يعد الحديث عن مديونية الأفراد في الأردن مجرد نقاش اقتصادي يتعلق بالأرقام والنسب، بعد أن تجاوزت حاجز 14.3 مليار دينار، بل أصبح سؤالًا اجتماعيًا ومعيشيًا يستحق التوقف أمامه بجدية. فخلف هذا الرقم الكبير آلاف الأسر والأفراد الذين ترتبط حياتهم بسلسلة من الأقساط والالتزامات المالية، الأمر الذي يفرض سؤالًا أكثر عمقًا من مجرد حجم المديونية: هل أصبح الاقتراض بالنسبة إلى بعض الأردنيين وسيلة لتحسين الحياة، أم وسيلة ضرورية للاستمرار فيها؟
لا شك أن الاقتراض ليس ظاهرة سلبية في حد ذاته؛ فالقروض السكنية تساعد الأسر على امتلاك منزل، والتمويل يمكن أن يفتح الباب أمام التعليم أو الاستثمار أو تأسيس المشاريع. لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الاقتراض من كونه خيارًا ماليًا لتحقيق هدف محدد إلى وسيلة مستمرة لسد الفجوة بين الدخل وكلفة الحياة. وهنا يصبح الدين، بدلًا من أن يكون أداة لبناء المستقبل، وسيلة لمواجهة متطلبات الحاضر.
وما يدعو إلى التوقف ليس حجم المديونية وحده، بل طبيعة الحياة التي تدفع إليها. فأسرة لديها راتب ثابت، ومسكن، وسيارة، وأبناء في المدارس أو الجامعات، قد تبدو مستقرة من الخارج، لكنها قد تكون في الواقع محاصرة بقسط المنزل وقسط السيارة وقرض شخصي والتزامات بطاقات ائتمانية ونفقات شهرية لا تتوقف. وفي مثل هذه الحالة، لا يعود الراتب دخلًا حرًا للأسرة، بل يتحول جزء كبير منه إلى التزام مستحق قبل أن يبدأ الشهر أصلًا.
«حين يتحول الراتب إلى أقساط مستحقة قبل أن يبدأ الشهر، يصبح الاقتراض قضية اجتماعية لا مجرد قرار مالي.»
الخطر الحقيقي ليس أن يقترض المواطن، بل أن يصبح عاجزًا عن الاستمرار في حياته بالمستوى الطبيعي دون اقتراض. فحين تلجأ الأسرة إلى الدين لتغطية النفقات الأساسية أو تسديد التزامات سابقة أو مواجهة ظرف طارئ، ندرك أن المسألة تجاوزت حدود الإدارة المالية الفردية، وأصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بتوازن العلاقة بين مستويات الدخول وكلفة المعيشة.
وتقف الطبقة الوسطى في قلب هذه المعادلة. فهي الفئة التي تتحمل الجزء الأكبر من أعباء الحياة اليومية، لكنها قد لا تكون في كثير من الأحيان ضمن الفئات المستفيدة من برامج الدعم المباشر. وهي تسعى إلى تعليم أبنائها وتأمين السكن المناسب والحفاظ على مستوى معيشي مقبول، لكنها تجد نفسها أمام ارتفاع متواصل في كلف الحياة. ولذلك، يصبح القرض في بعض الحالات الحل الأسرع لتجاوز الأزمة، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى أزمة جديدة تحتاج بدورها إلى حل.
المشكلة، إذن، ليست في ثقافة الاقتراض وحدها، ولا يجوز اختزالها في اتهام المواطن بسوء إدارة دخله. فالسؤال الأكثر أهمية هو: كم يتبقى من دخل الأسرة بعد سداد جميع أقساطها والتزاماته؟ لأن هذا الرقم قد يكشف حقيقة الوضع المعيشي أكثر مما يكشفه إجمالي حجم القروض. فكلما تقلصت المساحة المتبقية من الدخل، أصبحت الأسرة أكثر هشاشة أمام أي ظرف صحي أو اجتماعي أو وظيفي غير متوقع.
ومن هنا، فإن التعامل مع ارتفاع المديونية لا ينبغي أن يقوم على محاربة الاقتراض أو التضييق على المواطنين، فالقروض جزء طبيعي من أي اقتصاد حديث، وإنما يجب أن يبدأ من معالجة الأسباب التي تجعل الحاجة إلى الاقتراض متكررة ومتزايدة. وتعزيز نمو الدخول الحقيقية، وتخفيف أعباء السكن، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص التمويل المنتج، ورفع مستوى الثقافة المالية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن متابعة حجم القروض ونسب نموها.
إن 14.3 مليار دينار من الديون ليست مجرد رقم في تقرير اقتصادي، بل هي رسالة تستحق أن تُقرأ بعناية. إنها تعكس حجم الاحتياجات والطموحات والالتزامات التي تحملها الأسر الأردنية، وتفتح الباب أمام سؤال يجب ألا نتجاهله: هل نقترض اليوم لبناء مستقبل أفضل، أم أننا نقترض فقط لكي نستطيع الاستمرار في الحاضر؟
وبين السؤالين فرق كبير، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يعيش المواطن مديونًا، بل أن يتحول الدين إلى نمط حياة، وأن يصبح الإنسان يعمل طوال الشهر لا ليعيش بصورة أفضل، وإنما ليستعد لسداد ما اقترضه في الشهر الذي سبقه.