آخر الأخبار
  هام من "الضريبة" بشأن آخر موعد قانوني لتقديم إقرار دخل 2025   مهم من التربية بشأن امتحان الرياضيات لجيل 2008   وزير العمل: تعديلات قانون الضمان تستهدف الاستدامة حتى 2048   طقس مشمس الاثنين مع بدء سلسلة ارتفاعات في درجات الحرارة   الشرع يحمّل الشيباني رسالة: سوريا ستتقاسم مياهها مع الأردن   الضمان: تعديلات القانون شديدة ولكنها الحل الضامن للاستدامة   الأمن العام .. قرن من الاحترافية في مواجهة التحديات والأزمات   وزير الخارجية: الأردن يقف مع سوريا في إعادة بناء الوطن الحر الآمن المستقر   الحكومة: الترشيد حقق وفرًا 20% بالمصانع و50% ببعض الفنادق   الحرارة تتجاوز الـ 30 .. الأردنيون سيواجهون أول ارتفاع منذ 160 يومًا   مركز أورنج الرقمي للريادة يطلق معسكر "من الفكرة إلى التطبيق" لتمكين المبتكرين الشباب   وزارة الصحة تعلن عن حاجتها لتعيين عدد كبير من الأخصائيين   بالأسبوع الأول من نيسان.. المشتقات النفطية ترتفع   البنك الأردني الكويتي يرعى الملتقى الاقتصادي للبعثات الدبلوماسية في الأردن   “العمل النيابية”: تعديلات جوهرية على قانون الضمان لتعزيز العدالة والاستدامة   الملك: تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والتعاون الأمني الأردني السوري   وزير العمل: الحكومة ليست في عجلة من أمرها لإقرار قانون الضمان   كتل نيابية تطلب الاستعانة بخبير اكتواري لمقارنة أرقام الضمان الاجتماعي   تأجيل مناقشة قانون الضمان الاجتماعي في مجلس النواب   الحكومة تدرس مقترحات “العمل النيابية” حول قانون الضمان وتلجأ لخبراء دوليين

اقتصاديات الإهانة . نظرة في أسلوب النقاش حول الخبز

{clean_title}
من قال إن "العلاقة بين السلطة والمواطن هي علاقة "داعم ومدعوم"؟ وحتى لو كان الأمر كذلك، فمن يدعم مَنْ أصلا في "ثنائية المواطن والسلطة" هذه؟
إلى زمن قريب (بضع عشرات من السنين فقط) كان الأردنيون يدفعون مباشرة "أجور السلطة" بأشكالها المختلفة: المختار والحارس والمدرس (الكتاتيب) وشيخ المسجد والمخضر (حارس الزرع)...الخ.
وإلى زمن أقرب؛ كان المواطنون يبنون المدارس ويتكفلون بصيانتها، ويوفرون المبيت للمعلم، وكان على الطالب أن يحضر كرسيه معه من بيته، ثم صاروا مكلفين بتوفير الغذاء للجابي و"التحصلدار" والمُحْضِر (موظف المحكمة)، ويوفرون العلف لخيولهم أيضا.
وكان الناس يدفعون لهؤلاء الذين كان عليهم مقابل ذلك أن يتولوا مهمة الإشراف والإدارة والتنظيم، وبالمناسبة لم يكن الانتماء إلى وظائف السلطة مطمحا، فهؤلاء كانوا في العادة من غير المنتجين، بمعنى "ثقيلي الظل" اقتصاديا.
كان ذلك يجري في علاقة مباشرة بسيطة، لكنها كانت تعبّر تماما عن جوهر العلاقة بين "السلطة والناس".
بالتدريج بدأت تلك العلاقة تتعقد، وتحول هؤلاء المديرون والمنظمون "اليدويون" إلى هيئات ومؤسسات، صارت تبتعد عن العيون، وأخذت تغلق الأبواب وتبني المقرات والصروح... إلخ. وسرعان ما أصبحت السلطات الجديدة (وهي ليست أكثر من ورثة الحراس والمخاتير والجُباة) تنتَخب وتعيّن وتَخضع لقوانين وتخضِع غيرها للقوانين... وهكذا.
تلك هي المسألة بمنتهى البساطة، لقد بقي جوهر العلاقة واحدا، ولكن تغيرت الأحجام والأشكال والملابس وحلت سيارات الدفع الرباعي محل الأحصنة والبغال والحمير!
في عالم اليوم، وفي ميدان إدارة موضوع الاقتصاد، يُفترض أن الدولة تقوم بمهمة "إعادة التوزيع"، وليس الدعم! فلا توجد علاقة داعم ومدعوم، لأن هذه العلاقة تعني أن طرفا في الأعلى يعطي والثاني أدنى منه يأخذ؛ طرفا يملك ويحوز والثاني محتاج، وهذه العلاقة غير صحيحة.
لقد استمرأت الحكومات في بلدنا هذا الفهم لعلاقاتها بالناس، فهي مثلا منذ سنين تصر وبطريقة مخجلة على ذكر تفاصيل ما تسميه "الدعم" على فاتورة الكهرباء والماء! فهي تكتب بحروف ملونة بارزة: "إن قيمة فاتورتك كذا وقيمة الدعم الحكومي كذا".. يا سلام؟
أما قضية الخبز بالذات، فقد نوقشت في الأسابيع الماضية بطريقة مهينة!
ليست الإهانة في رفع السعر، فبالمناسبة مرت أوقات كان الأردنيون حتى في أيام الفلاحة والزراعة يشترون القمح بغالي الثمن في سنوات القحط، كان كل جهدهم يذهب لتحصيل الخبز، ولم يكن في الأمر إهانة. لكن الحكومة دخلت مع الناس خلال الأسابيع الماضية في علاقة "مفاصلة" مهينة.
لقد بلغ الأمر أن تقارن الحكومة سعر السجائر بسعر الخبز! واليوم بعد أسابيع من النقاش، يبدو ان الصيغة استقرت على صرف دينارين للمواطن في الشهر.
إن مفردات لغة المسؤول وهو يتحدث ويصرح بخصوص الخبز، تبين تماما انه لا يعرف معنى الخبز، كونه أكثر من مجرد سلعة وسعر.
بل إن الحكومة تكاد تقول لمواطنيها: إنكم ستوفرون مبلغا إضافيا، فنحن نعرف أنكم لا تأكلون خبزا بهذا المبلغ وقد يكون ذلك صحيحا في بعض الحالات.
الخبز يا سادة ليس مجرد سلعة، بل ليس مجرد سلعة غذائية، أي ليس مجرد طعام إنه كان وما يزال قيمة حياتية كبرى، ولا يجوز نقاشه من زاوية سعره فقط.
وهذا الكلام ليس شعرا ولا ثقافة شعبية وليس طقوسا للتغني، مع أن الشعر والثقافة الشعبية والطقوس تشكل مع غيرها فلسفة الشعب وأحد أسس وجوده.
إن شخصيات الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والمجتمعات والأوطان، هي كل مركب من عناصر مادية تقاس بالأرقام والكميات والأسعار والنسب والمعادلات، وعناصر غير مادية أكثر عمقا في غالب الأحيان، غير أن الخبز يدمج هاتين المجموعتين من العناصر المادية وغير المادية معا.
هناك حكاية طريفة معروفة أخذت انتشارا عالميا، تدور حول التعليق الشهير لماري انطوانيت التي تساءلت عندما رأت الناس في فرنسا يحتجون على غياب الخبز: لماذا لا تأكلون البسكويت؟
لقد اعتدنا أن نضحك من جهل الآنسة أنطوانيت التي لا تعرف أن من لا يملك الخبز لا يستطيع الحصول على البسكويت! لكن الأمر عندنا أكثر تعقيدا من الحالة الفرنسية؛ ذلك أنه حتى لو امتلك الأردني البسكويت وبالكميات التي يريد فإنه لا يعني امكانية استغنائه عن الخبز.
إن حساسية الخبز لا تتعلق بسعره بالدرجة الأولى؛ إن الخبز هو حائط الصد الأول في الصراع من أجل مسألتي الغذاء والكرامة معا.
أرجو أن لا يعتقد أحد أن في الكلام مبالغة، فأنا ممن يرون أن قضية الفقر وصعوبة المعاش في الأردن، ليست لغاية الآن بتلك الحدة التي تجعل من رفع سعر الخبز مأساة عامة كبرى من الناحية المالية بالطبع قد تكون كذلك في حالات ومع هذا فالخبز حالة خاصة.
يكرر الأردنيون عبارة شهيرة تتجاوز معناها الحرفي بكثير، وهي: "إذا خلص الخبز عيب على المضيف وإن خلص الطعام عار على الضيف".
إن نقاش الخبز لا يحتاج لحكومة تتقن مهارات الحساب والإحصاء والقياس، بقدر حاجته إلى حكومة تتقن مهارات الفهم والمعرفة، وإن حكومة تثير وتسمح بمثل هذا النقاش لموضوع الخبز لا تعرف ما هو معناه.