حذرت محافظة القدس من تصعيد جماعات "الهيكل" المزعوم تحركاتها الرامية إلى تغيير واقع المسجد الأقصى المبارك، ونقل مطالبها من ساحات التحريض والاقتحامات والطقوس إلى المسار السياسي والقضائي، وفي مقدمتها المطالبة بفتح المسجد الأقصى أمام المستوطنين السبت، بالتزامن مع نظر المحكمة الاحتلال، الأربعاء، في الالتماس المقدم للمطالبة بفتح المسجد أمام اليهود في أيام السبت، معتبرة أن هذه المطالبة تأتي ضمن مسار متدرج يستهدف تغيير قواعد الدخول إلى المسجد، وتقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم، والتمهيد لفرض التقسيم الزماني والمكاني.
وأكدت المحافظة في بيان لها الثلاثاء، أن المطالبة بفتح الأقصى يوم السبت ليست تحركًا طارئًا أو مطلبًا ظهر عشية جلسة المحكمة، وإنما هي حملة منظمة يجري تصعيدها منذ أشهر، وتكشف مواد منشورة على منصات جماعات "الهيكل" عن تبني هذا المطلب والترويج له بصورة مباشرة؛ ففي 29 تموز 2026 نشرت إحدى منصات هذه الجماعات مادة بعنوان "حان الوقت لفتح جبل الهيكل يوم السبت"، دعت فيها صراحة إلى إعادة فتح الموقع أمام اليهود في أيام السبت، واعتبرت أن إغلاقه في هذا اليوم يمثل وضعًا ينبغي تغييره.
وتصاعدت الحملة بصورة أكثر تنظيمًا خلال آب، إذ نشرت منصة "أخبار جبل الهيكل" في آب الماضي دعوة إلى مؤتمر للمطالبة بفتح الموقع أمام اليهود يوم السبت، وطرحت حجة تقوم على أن يوم الجمعة مخصص للمسلمين بسبب صلاة الجمعة، بينما السبت يوم مقدس لليهود، متسائلة عن مبرر إغلاق الموقع أمام اليهود في هذا اليوم، ودعت إلى مشاركة حاخامات وأعضاء كنيست ووزراء في التحرك، وحددت الدعوة موعد المؤتمر في 27 آب.
وفي 27 آب عُقد المؤتمر بالفعل بمشاركة شخصيات سياسية إسرائيلية، من بينها وزير الاتصالات شلومو كرعي وعضو الكنيست عميت هاليفي، وبحضور ناشطين من جماعات "الهيكل"، وخلال المؤتمر طُرحت المطالبة بفتح الموقع أمام اليهود أيام السبت باعتبارها مطلبًا مباشرًا، فيما أعلن المشاركون عن تنظيم تحرك ديني للمطالبة بذلك، كما تحدث آساف فريد، أحد الناشطين في هذا الملف، عن صعوده إلى الموقع أيام السبت، في حين وصف عميت هاليفي مطلب فتحه يوم السبت بأنه "أمر بديهي"، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية.
وفي أيلول انتقلت الحملة إلى مرحلة جديدة، بعدما قدم آساف يحزقيل فريد، باسمه وباسم "اللجنة العامة لفتح جبل الهيكل يوم السبت"، ويوسف مئير رابين، بواسطة المحامي باروخ بن يوسف، التماسًا إلى ما تسمى محكمة الاحتلال العليا، للمطالبة بتغيير السياسة التي تمنع دخول اليهود إلى الموقع أيام السبت.
وطالب الملتمسون، من بين أمور أخرى، بإلزام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، وقائد شرطة الاحتلال في القدس، ببيان سبب عدم اعتبار سياسة الإغلاق الشامل أمام اليهود أيام السبت قرارًا غير معقول وتمييزيًا، وفق ما ورد في الالتماس.
وتعقد محكمة الاحتلال، الأربعاء 16 جلسة للنظر في الالتماس، أمام هيئة مكونة من ثلاثة قضاة، هم عوفر غروسكوبف، وأليكس شتاين، وخالد كبوب، فيما طُلب من الجهات المدعى عليها تقديم ردها إلى المحكمة قبل موعد الجلسة بـ48 ساعة.
وكان الملتمسون قد طلبوا، إلى جانب الالتماس الأصلي، إصدار أمر مؤقت وعاجل يسمح بفتح الموقع أمام اليهود في أيام السبت التي تتزامن مع أعياد رأس السنة العبرية وعيد العرش وشميني عتسيرت، إلا أن المحكمة رفضت طلب الأمر المؤقت، دون أن يعني ذلك حسم الالتماس الأصلي.
وأوضحت محافظة القدس أن أخطر ما في هذا المسار هو تقديم المطالبة باعتبارها قضية "مساواة" أو "حرية عبادة"، في حين أن جوهرها يتمثل في محاولة إعادة تعريف قواعد الدخول والاستخدام داخل المسجد الأقصى المبارك، من خلال تثبيت يوم جديد لدخول المستوطنين، ثم تحويل هذا الدخول إلى ممارسة اعتيادية، وفتح الطريق أمام المطالبة لاحقًا بإقامة الطقوس والصلاة في المكان.
وحذرت المحافظة من أن الصيغة التي تطرحها جماعات "الهيكل" بشأن تخصيص يوم الجمعة للمسلمين ويوم السبت لليهود تمثل مدخلًا خطيرًا لإدخال مفهوم التقسيم الزماني إلى المسجد الأقصى، مشددة على أن المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا هو مسجد إسلامي خالص، وأن أي محاولة لإعادة تعريفه باعتباره موقعًا دينيًا مشتركًا، أو توزيع أيامه وساعات استخدامه، تمثل مساسًا مباشرًا بهويته وبالوضع التاريخي والقانوني القائم فيه.
وأكدت المحافظة أن اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي لا ينشئ لجماعات "الهيكل" المزعوم أي حق ديني أو سيادي في المسجد الأقصى المبارك، ولا يمنح سلطات الاحتلال صلاحية تغيير طبيعته أو وضعه القانوني، مشددة على أن الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى يؤكد واقعًا تاريخيًا وقانونيًا ثابتًا، بموجبه يُعد المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا مقدسًا إسلاميًا خالصًا، وأن دائرة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية هي الجهة التي تمثل هذا الحق الإسلامي وتمارس الاختصاص الحصري في إدارة شؤون المسجد وتنظيم الوصول إليه، ضمن إطار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، كما أكدت أن القدس الشرقية، بما فيها البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك، جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن إجراءات الاحتلال وممارساته لا تنشئ له حقًا في السيادة عليها، ولا تغيّر من وضعها القانوني وفق قواعد القانون الدولي.