جراءة نيوز - من المحامي اسامة موسى البيطار - في آذار 2020 أعلنت وزارة العدل الأميركية عن توجيه لوائح اتهام جنائية فيدرالية بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وعدد من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين والقضائيين، إضافة إلى قيادات من القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، وذلك أمام محاكم في نيويورك وواشنطن وميامي وغيرها من الولايات الأميركية.
الملف لم يُقدَّم بوصفه خلافًا سياسيًا أو دبلوماسيًا تقليديًا، بل كـ قضية جريمة منظمة عابرة للحدود ذات طابع إرهابي (Narco-Terrorism)، تدّعي فيها الولايات المتحدة أن الدولة الفنزويليّة نفسها قد تم اختراقها وتحويلها إلى أداة تخدم شبكات مخدرات وتنظيمات مسلّحة.
هذا التطور يفرض طرح سؤال قانوني جوهري
هل تبقى حصانة رئيس الدولة قائمة عندما يُتهم بقيادة أو إدارة جريمة منظمة عابرة للحدود؟
من المهم هنا التمييز قانونًا بين مرحلتين مختلفتين:
1. الادعاء الجنائي
وهو ما قامت به الولايات المتحدة منذ سنوات، حين وجّهت لوائح اتهام ضد مادورو ومسؤولين فنزويليين بتهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، وغسل الأموال، والتعاون مع منظمات مسلّحة.
2. القبض الفعلي بالقوة العسكرية
وهو ما أُعلن عنه اليوم وهو يشكل نقلة نوعية بالغة الخطورة، لأن القبض على رئيس دولة من داخل إقليمه باستخدام القوة المسلحة لا يُعد إجراءً قضائيًا تقليديًا، بل فعلًا يلامس حدود العمل الحربي.
القانون الدولي لا يمنع مبدئيًا توجيه الاتهام الجنائي لرئيس دولة، لكنه يتحفّظ بشدة على طريقة التنفيذ، خصوصًا إذا تمت دون تفويض دولي صريح أو مسار قضائي متعدد الأطراف ..ولكنها امريكا !!!
ما هي الجرائم التي وجهت للرئيس الفنزويلي
1. الإرهاب المرتبط بالمخدرات (Narco-Terrorism)
يتهم الادعاء الأميركي المتهمين بقيادة ما يُعرف بـ "كارتل الشمس” (Cartel de Los Soles)، وهو تنظيم إجرامي يُقال إنه يعمل من داخل مؤسسات الدولة الفنزويليّة.
وتشمل التهم:
1- التآمر على الإرهاب المرتبط بالمخدرات
2- استيراد كميات ضخمة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة
3- استخدام أسلحة ثقيلة وأسلحة مدمّرة في خدمة هذا النشاط هذه الانشطة تصل الى عقوبات.. حد أدنى إلزامي يتراوح بين 20 و30 سنة وحد أقصى هو السجن المؤبد
2. التحالف مع منظمة مصنّفة إرهابية
يعتبر الادعاء أن هناك شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين مسؤولين فنزويليين وقيادة FARC، بهدف:
1- إغراق” المجتمع الأميركي بالكوكايين
2- استخدام المخدرات كسلاح سياسي وأمني
3. فساد القضاء وغسل الأموال
تضمنت الملفات اتهامات لرئيس المحكمة العليا الفنزويلية بتلقي عشرات الملايين من الدولارات رشى مقابل
1- بيع قرارات قضائية
2- الإفراج عن متهمين في قضايا فساد كبرى
ووفق الادعاء، جرى غسل هذه الأموال عبر:
1- النظام المصرفي الأميركي
2- عقارات ومتاجر فاخرة في جنوب فلوريدا
ثالثًا: هل تسقط الحصانة تلقائيًا؟
الحصانة الرئاسية ليست امتيازًا شخصيًا، بل أداة وظيفية تهدف إلى حماية استقرار العلاقات الدولية، إلا أن هذه الحصانة ليست مطلقة.
في السوابق الدولية، جرى تجاوز الحصانة في حالات محددة، أبرزها:
1- الجرائم ضد الإنسانية
2- جرائم الحرب
3- الإبادة الجماعية
أما الجرائم المنظمة العابرة للحدود، مثل المخدرات وغسل الأموال، فما زال التعامل معها محل جدل قانوني واسع، لا سيما عندما يُقال إن الدولة نفسها تحوّلت إلى أداة للجريمة.
وهنا يبرز مفهوم حديث نسبيًا في الفقه القانوني: State Capture by Organized Crime أي... اختطاف الدولة من قبل الجريمة المنظمة.
رابعًا: سابقة أم استثناء؟
أن يُعامل رئيس دولة قائم كـ "مدير شبكة إجرامية” بدل كونه رأس سلطة سيادية، فهذا تطور بالغ الخطورة.
الخشية القانونية لا تتعلق بشخص مادورو بحد ذاته، بل بالسابقة التي قد تُكرَّس:
1- من يملك حق تصنيف نظامٍ ما بأنه "إجرامي”؟
2- من يملك سلطة التنفيذ خارج الأطر الدولية الجماعية؟
3- وما الضمانة ألا يتحول هذا النموذج إلى أداة سياسية بغطاء جنائي؟
القانون لا يُبنى على النوايا، بل على السوابق، وكل سابقة غير منضبطة تفتح الباب لاستخدامها لاحقًا خارج سياقها الأصلي.
خامسًا: العدالة، القوة… والذكاء الاصطناعي
يزداد هذا الإشكال تعقيدًا في ظل التحولات المتسارعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد قرارات التصنيف الأمني، وتتبع الأموال، وتحليل الشبكات الإجرامية، حكرًا على التقدير البشري وحده.
تعتمد الدول اليوم على أنظمة تحليل خوارزمية لربط الأفراد بالكيانات، وتصنيف الأنظمة بوصفها "عالية الخطورة”، وتتبع التدفقات المالية العابرة للحدود، وأحيانًا تعطيل قدرات تقنية أو دفاعية ضمن عمليات معقّدة تُقدَّم تحت عنوان إنفاذ القانون أو الأمن القومي.
غير أن هذه الأدوات – مهما بلغت دقتها التقنية – تثير سؤالًا قانونيًا بالغ الحساسية:
هل يجوز أن تُبنى قرارات تمس سيادة الدول وحصانة رؤسائها على نماذج تحليل رقمية لا تخضع للرقابة القضائية التقليدية ولا لمعايير الشفافية المعروفة؟
تزداد الإشكالية تعقيدًا حين نعلم أن الخوارزميات، وقواعد البيانات، وأنظمة التتبع والتحليل نفسها، تخضع في الغالب لنظم ملكية فكرية مغلقة، لا تتسم بالإتاحة العامة ولا تسمح بالتدقيق المستقل، ما يفتح الباب أمام نمط جديد من "العدالة غير القابلة للمراجعة”؛ عدالة تُمارَس باسم القانون، ولكن بأدوات لا يمكن فحصها أو مساءلتها أو الطعن في منهجيتها.
وهنا لا يعود السؤال محصورًا في مشروعية الفعل، بل يمتد إلى مشروعية الوسيلة، وحدود استخدام التكنولوجيا المتقدمة في فرض العدالة خارج الأطر القضائية التقليدية.
ما جرى في فنزويلا، بصرف النظر عن دقته أو مآلاته، لم يعد حدثًا محليًا، بل تحوّل إلى اختبار عالمي لمستقبل القانون الدولي في عصر تُدار فيه السلطة، والعدالة، وأحيانًا السيادة، عبر خوارزميات لا نراها… لكننا نخضع لنتائجها.