آخر الأخبار
  تقرير أرجنتيني: فلسفلة سلامي انعكست على تنظيم وانضباط منتخب الأردن   العمل: طورنا منظومة التفتيش والصحة المهنية   برنامج أممي: سحاب تعاني من عدم توازن في توزيع المساحات العامة   أمانة عمّان: إغلاق نفق صويلح جزئياً مساء الخميس لإعادة تأهيل إنارته   تنظيم النقل: رفع أجور النقل العام بين 5 - 10 قروش   بمناسبة يومهم العالمي .. العامل الأردني أساس الإنتاج والبناء والإنجاز   وزير الزراعة يهنئ عمال القطاع بعيد العمال   وزارة العمل تتأهل للمراحل النهائية لجوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات 2026   وزير الاتصال الحكومي يهنئ عمال الأردن بعيدهم   البنك المركزي: تراجع الدولرة إلى 18.1% بنهاية شباط 2026   خبير: انخفاض معدل البطالة لا يعكس تحسنًا في سوق العمل   العقود الآجلة لخام برنت ترتفع لأعلى مستوى في 4 سنوات   ارتفاع احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية إلى 26.8 مليار دولار   رفع أسعار البنزين والسولار وتثبيت الكاز والغاز لشهر أيار   ارتفاع احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية إلى 26.8 مليار دولار   توقف خدمات مركز الاتصال الوطني 12 ساعة   خبير في مجال الطاقة: يتوقع زيادة 90 فلسًا على سعر لتر البنزين و75 فلسًا على "الديزل"   13 ألف مشارك في "أردننا جنة" بعطلة عيد العمال   بالأسماء ... المستحقون لقرض الاسكان العسكري   البنك المركزي الأردني يقرر تثبيت أسعار الفائدة

قبول حماس خطة ترامب.. بين وقف النزيف ومطبات المستقبل

{clean_title}
جراءة نيوز - الدكتور منذر الحوارات يكتب ..

منذ إعلان خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، علّق كثيرون آمالهم على أن تكون هذه الخطة نقطة بداية لوقف معاناة سكان القطاع، وبرغم ما تحمله الخطة من نقاط ضعف كثيرة، إلا أنها تتضمن عناصر إيجابية لا يمكن إغفالها.
وافق بنيامين نتنياهو على الخطة بعد اجتماع صاخب مع ترامب، وكان قبوله نتيجة تراجع حججه الداخلية؛ إذ اعتاد التذرع بتشدد بن غفير وسموتريتش اللذين هدداه مراراً بأن أي وقف لإطلاق النار يعني نهاية عمر حكومته، الجديد هذه المرة أن المعارضة الإسرائيلية بزعامة يائير لابيد، قدمت له شبكة أمان، إذ أعلنت دعم  حكومته حتى بدون سموتريتش وبن غفير، بذلك تم نزع حجته الرئيسية، ومع ضغط ترامب وضمانات الكتلة العربية والإسلامية، لم يجد نتنياهو خياراً سوى القبول، وقد علق آماله على رفض حماس للخطة،  وكان يحبس أنفاسه منتظراً هذا الرفض.
 لكن حماس فاجأت الجميع بقبولها، بدون شروط، وإن تركت بعض الغموض في بعض النقاط، وقع هذا القبول كالصاعقة على رأس نتنياهو، وما زاد الصدمة أن الرئيس الأميركي أعلن موافقته على بيان حماس وطالب إسرائيل بوقف الحرب فوراً، وذلك لقطع الطريق على أي تأويلات إسرائيلية على قبول حماس، وهكذا وجد نتنياهو نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانصياع لترامب ووقف العدوان على غزة، أو رفض الخطة وتحمل غضب أميركي كاسح، يقود إلى انتخابات مبكرة يكون ترامب أول خصومه فيها.
 لقد أصابت حماس في قرارها، برغم ما تحمله الخطة من مطبات وفخاخ تمس مستقبلها وسلاحها ودورها السياسي والإداري، ورغم محاولة الخطة بين ثناياها فصل غزة عن المسار الوطني الفلسطيني الأوسع، إلا أنها تضمن وقفاً فورياً للعدوان، وتبادلاً للأسرى والجثامين، وإدخالاً عاجلاً للمساعدات، وتأهيلاً للمستشفيات والمخابز، ومن ثم إعادة إعمار تدريجية للقطاع.
 موافقة حماس تفتح الباب أمام تحقق هذه النقاط الإيجابية بضمانة أميركية، ضمن معادلة يقوم فيها الأميركيون بضمان التزام إسرائيل، بينما يتكفل العرب بضمان التزام حماس، وبذلك يصبح وقف الحرب وإدخال المساعدات وتسليم الإدارة لهيئة فلسطينية مستقلة أمراً واقعياً، فيما تُرحَّل القضايا الكبرى إلى إطار وطني جامع، لكن هذا القبول، وإن أوقف الكارثة الآنية، ينقل حماس إلى مرحلة جديدة محفوفة بالأسئلة الوجودية: كيف ستوازن بين بقائها قوة سياسية وبين إصرار دولي على تهميشها؟ وكيف ستتجنب اتهامها بالتفريط وهي تدخل عملياً مرحلة "التأميم الدولي” لغزة؟
 صحيح أن حماس قدمت ورقة ثمينة لترامب الذي سيعتبر إنهاء الحرب إنجازاً يضيفه إلى سجله، وصحيح أنها احترمت الدور العربي والإسلامي، لكن إسرائيل ستسعى إلى استغلال هذا القبول باعتباره شهادة استسلام تدريجي، وستعمل على تغذية الرأي العام العربي بهذه المقولة، كما فعلت سابقاً حين غذّت خطاباً عربياً غارقاً في النقاش العقيم و»السفسطة»، خطاباً يحرّم النقد ويجرّم أي مقاربة تتجاوز العاطفة والشعارات.
 اليوم، ومع قبول حماس، تصبح المعضلة مضاعفة، فالخطوة التي يُفترض أن تفتح الباب أمام نقاش عقلاني حول مصلحة فلسطين ومستقبلها، تحولت إلى ساحة جدل داخلي: بين من يراها براغماتية مسؤولة ومن يصفها بالخيانة والتفريط، المشكلة أن أغلب هذا النقاش يظل عاطفياً، يكتفي بتمجيد الصمود أو التنديد، من دون النظر بواقعية إلى ثمن الدماء وآفاق الحل.
 لقد أثبت العدوان على غزة أن هناك من يتعامل مع جثث الفلسطينيين وكأنها وقود لإشباع الحماسة الخطابية، ويهاجم أي صوت يحاول التفكير بموضوعية وإنسانية، وأي صوت يذكّر بأن الفلسطينيين بشر يتألمون للجوع والعطش والمرض والموت، وهؤلاء يشبهون «حراس المعبد» من يقدّسون الطقوس ولا يؤمنون بجوهر الدين، او ربما الدين نفسه، فيحرّمون أي نقاش موضوعي قد يشكّل خزان أفكار يساعد الفلسطينيين أنفسهم على اتخاذ قرارات مصيرية.
قبول حماس لا يعني نهاية المعاناة، بل بداية اختبار جديد: هل يمكن تحويل هذا القبول إلى فرصة توقف نزيف الدم وتعيد إعمار غزة، أم يتحول إلى فخ سياسي يطوي صفحة المقاومة؟
إن نزيف الدم المستمر يؤكد حقيقة أساسية: أن القضية الفلسطينية لا يجب أن تبقى ساحة للشعارات ولا اختبار للولاءات الأيديولوجية، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية وإنسانية، المطلوب اليوم أن نتحرر من أسر الجدل العقيم، وأن نجرؤ على طرح الأسئلة الكبرى بواقعية وشجاعة، فالتاريخ لن يرحم: لا من تآمر، ولا من صمت، ولا من اكتفى بتمجيد الألم بدل البحث عن مخرج منه.