أصدر منتدى الاستراتيجيات الأردني، بالتعاون مع التعاون الدولي الألماني (GIZ)، ورقة سياسات بعنوان "الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة: فرصة استراتيجية للشركات الصغيرة والمتوسطة"، تناولت أهمية تبنّي هذه الممارسات في تعزيز تنافسية الشركات واستدامة أعمالها، واستعرضت الفرص والتحديات المرتبطة بتطبيقها في الأردن، وقدّمت توصيات لتهيئة بيئة داعمة تساعد الشركات على الاستفادة منها.
وأكد المنتدى على أهمية دمج الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة في أعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكّل 98.1% من إجمالي الشركات في الأردن، باعتبارها أداة استراتيجية لخفض التكاليف التشغيلية وإدارة المخاطر وتعزيز التنافسية والوصول إلى التمويل والأسواق الخارجية. وأوضح أن عدم التكيّف مع هذه المتطلبات قد يعرّض الشركات لخطر الاستبعاد من سلاسل التوريد المحلية والعالمية.
وأوضحت الورقة أن الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) تشير إلى مجموعة من المعايير المستخدمة لقياس مدى استدامة الأعمال وأثرها الأخلاقي، وتشمل التزامات بيئية؛ كالإفصاح عن استهلاك الموارد وانبعاثات غازات الدفيئة، والتزامات اجتماعية؛ كالإبلاغ عن الأجور العادلة وتوفير بيئات عمل لائقة وصحية، إضافة إلى تبنّي أسس الحوكمة الرشيدة؛ من خلال اعتماد سياسات مؤسسية للشفافية والامتثال للمعايير الدولية.
وعلى الصعيد العالمي، أشارت الورقة، استناداً إلى تقرير الاستدامة العالمية الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025، إلى أن الشركات المدرجة التي أفصحت عن معلومات متعلقة بالاستدامة تمثّل 91% من إجمالي القيمة السوقية للشركات المدرجة. كما بلغت القيمة القائمة للسندات المستدامة للشركات نحو 2.4 تريليون دولار بنهاية عام 2024. فيما بيّنت الورقة أن 25% فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاتحاد الأوروبي طوّرت استراتيجية للممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة، ما يعكس الفجوة بين الشركات الكبرى والصغيرة في هذا المجال.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد أوضحت الورقة أن تطبيق ممارسات الاستدامة لا يزال ضعيفاً نسبياً، خصوصاً في البعدين البيئي والاجتماعي، فيما تبدو جوانب الحوكمة، مثل وجود استراتيجيات أعمال ومجالس إدارة وشهادات جودة دولية، أكثر نضجاً، وبالأخص في الأردن وتونس والمغرب. وفي هذا السياق، أشارت الورقة إلى ضرورة تعزيز مشاركة المرأة في القوى العاملة والمناصب الإدارية، وزيادة اهتمام الشركات بمراقبة استهلاك الطاقة وإدارة النفايات وتتبع الانبعاثات، لا سيما في ظل تعرّض المنطقة لتداعيات تغير المناخ.
وفي الأردن، بيّن المنتدى أن اعتماد هذه الممارسات قد شهد نمواً، خصوصاً لدى الشركات الكبرى المدرجة في بورصة عمّان، وذلك بالتوازي مع التوجه الوطني نحو الاقتصاد الأخضر وأولويات رؤية التحديث الاقتصادي والخطط الوطنية للنمو الأخضر. كما أشار إلى ارتباط هذه الجهود بالتزامات الأردن المناخية التي تستهدف خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 31% بحلول عام 2030.
واستعرضت ورقة المنتدى جهود بورصة عمّان في تعزيز تبنّي الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة، مشيرةً إلى إصدارها توجيهاً عام 2022 إلى أكبر 20 شركة مدرجة ضمن مؤشر (ASE20) لإعداد تقارير الاستدامة وفق معايير المبادرة العالمية لإعداد التقارير (GRI).
واستُكملت هذه الجهود بإطلاق السياسات والمبادئ التوجيهية والإطار التنظيمي للإفصاح المتعلق بالمناخ والتي ستدخل حيز التنفيذ عام 2027، بما يُوجب على شركات مؤشر (ASE20) الامتثال لمعياري (IFRS S1) و(IFRS S2) الصادرين عن مجلس معايير الاستدامة الدولية.
وأوضحت الورقة أن تأثير هذه المتطلبات يُتوقع أن يمتد عبر سلاسل التوريد إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يزيد أهمية استعداد هذه الشركات لتلبية متطلبات الإفصاح للحفاظ على علاقاتها التجارية.
كما أشارت الورقة إلى اختيار بورصة عمّان من قِبل مبادرة الأمم المتحدة للبورصات المستدامة لرئاسة اللجنة الاستشارية المعنية بالشركات الصغيرة والمتوسطة والاستدامة، والتي نشرت في حزيران 2025 دليلاً يُعدّ مرجعاً عملياً للبورصات على مستوى العالم. ويتضمن الدليل أدوات تطبيقية لدمج الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة في الشركات الصغيرة والمتوسطة، ودراسات حالة، وقوائم مرجعية لأفضل الممارسات، من خلال ثلاث استراتيجيات تهدف إلى: المشاركة النشطة لرفع الوعي، وتنفيذ أنشطة لبناء القدرات، وتيسير الوصول إلى التمويل والخدمات.
وأكدت الورقة على أهمية الاستفادة من تجربة البورصة مع الشركات الكبرى المدرجة، وتكييف الدروس المستفادة بما يتناسب مع احتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة وإمكاناتها.
وفي تشخيص واقع الشركات، أوضحت الورقة أن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة تنظر إلى تبنّي هذه الممارسات بوصفها تكلفة إضافية، في ظل القيود المالية وضعف الوعي بمزاياها التجارية. مبينة أن أكثر من 60% من الشركات المشمولة باستطلاع أعدّته جامعة عمّان العربية أفادت بوجود قيود مالية عامة. كما أظهر تحليل لمنظومة الأعمال الخضراء في الأردن أجراه التعاون الدولي الألماني (GIZ) أن 13.8% من أصل 500 شركة صغيرة ومتوسطة شملها المسح تُعرّف نفسها بوصفها "أعمالاً خضراء"، بما يعكس الطبيعة الناشئة لهذا القطاع وإمكانات نموه.
وفيما يتعلق بالأسواق الخارجية، أشارت الورقة إلى أن توجهات الاتحاد الأوروبي بشأن تقارير الاستدامة والعناية الواجبة، وآلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، تزيد من أهمية قياس الانبعاثات وتوفير البيانات الموثوقة لدى الشركات الأردنية المشاركة في سلاسل القيمة العالمية، بما يساعدها في الحفاظ على شراكاتها التجارية.
ولتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من تلبية متطلبات سلاسل التوريد، أشارت الورقة إلى المعيار الطوعي الأوروبي لإعداد تقارير الاستدامة (VSME)، الذي يوفّر إطاراً مبسّطاً للإفصاح عن الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة. ويتألف من جزئين: الأول معايير إفصاح أساسية، والثاني معايير إفصاح إضافية اختيارية للشركات التي تواجه متطلبات أكثر تقدماً من البنوك والعملاء الكبار. وقد يمثّل المعيار الأوروبي خياراً مناسبًا للشركات الأردنية المشاركة في التصدير أو الشراكات الإقليمية، بما يمكّنها من تلبية متطلبات البيانات وتعزيز جاهزيتها، دون تحمّل تعقيدات معايير الإفصاح المطبّقة على الشركات الكبرى.
وفي جانب الكفاءة التشغيلية، أوضحت الورقة أن تحسين استخدام الطاقة والمياه والمواد والحد من النفايات يتيح وفورات ملموسة، مستشهدة بمشاريع كفاءة استخدام الموارد والإنتاج النظيف في الصناعات المحلية. كما أوردت تجربة ماليزيا، حيث حققت 38% من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تبنّت هذه الممارسات زيادات في الإيرادات تجاوزت 51%، فيما حققت 24% منها وفورات في التكاليف تجاوزت النسبة ذاتها.
أما في إدارة المخاطر، فأشارت الورقة إلى أن أكثر من 40% من الشركات الصغيرة والمتوسطة عالمياً تواجه مخاطر مالية ناجمة عن تغير المناخ. واستعرضت نتائج مسح البنك المركزي الأردني في عام 2023، والذي أظهر تأثر مخاطر الائتمان بالجفاف والفيضانات وشح المياه، موضحة أن اضطرابات الإنتاج وارتفاع التكاليف قد يضعفان إيرادات الشركات وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، كما يحدّان من فرص حصولها على التمويل.
وعلى صعيد الفرص التمويلية، تناولت الورقة استراتيجية التمويل الأخضر التي أطلقها البنك المركزي الأردني عام 2023، والتي استهدفت رفع نسبة التمويل الأخضر إلى 30% من إجمالي التمويل بحلول عام 2028، إلى جانب تعميم التصنيف الأخضر ودوره في حشد التمويل. مشيرة إلى أن الائتمان القائم الممنوح للشركات الصغيرة والمتوسطة قد بلغ 3.18 مليار دينار بنهاية عام 2023، بما يعادل 10.7% من إجمالي ائتمان القطاع الخاص. كما أسهم برنامج تمويل الاقتصاد الأخضر (GEFF)، الذي أُطلق في عام 2022، في توفير تمويل بقيمة 41 مليون دولار، أي ما يعادل 29 مليون دينار لنحو 760 مشروعاً استثمارياً مستداماً من خلال ثلاثة بنوك أردنية ومؤسستين للتمويل الأصغر، مما يؤكد على أن البيئة التمويلية في الأردن قد أصبحت أكثر دعماً للاستثمارات المستدامة، في ظل تزايد توافر أدوات التمويل وخطوط الائتمان الأخضر الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتناولت الورقة الفرص الممكنة في المشتريات الحكومية، مشيرةً إلى توجيهات دائرة المشتريات الحكومية عام 2024 لتحفيز المشتريات العامة الخضراء وتعزيز إشراك المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في عمليات الشراء الحكومي، مع تركيز خاص على المشاريع التي تضم نساء أو شباباً أو أشخاصاً ذوي إعاقة. وأوضحت أن هذه التوجهات تمثّل حافزاً للشركات لتحسين أدائها في الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة، بما يعزّز فرص وصولها إلى الأعمال المرتبطة بالمشتريات الحكومية.
واستعرضت الورقة بعض التجارب الدولية التي توضح المنافع العملية لهذه الممارسات، منها برنامج "تيسكو" لتمويل الموردين بشروط مرتبطة بالاستدامة، وحصول شركة Bestcoat السنغافورية على قرض أخضر، وتجربة شركة Bar One Clothing البريطانية التي حققت وفورات سنوية في الطاقة بلغت 1,900 جنيه إسترليني باستثمار قيمته 13,500 جنيه. كما تناولت دور شهادات الاستدامة في تعزيز ثقة العملاء، وتوظيف المشتريات الحكومية لتحقيق أهداف اجتماعية وبيئية في نيوزيلندا.
وفي توصياته، دعا المنتدى واضعي السياسات إلى تطوير إرشادات واضحة ومحددة حسب القطاع، تراعي حجم الشركات وإيراداتها، وإنشاء حوافز مالية مستهدفة وبرامج مساعدات فنية للمؤسسات المالية والشركات. وأوصى بتطوير حزم دعم من خلال آليات التمويل القائمة مثل صندوق الطاقة المتجددة وترشيد الطاقة، وصندوق حماية البيئة، وصندوق دعم الصناعة، وتشجيع القروض الخضراء ومنتجات التأمين بشروط تفضيلية.
كما دعا إلى توسيع توجيهات المشتريات العامة لتفضيل الشركات ذات الأداء القوي في هذه الممارسات، وإنشاء منصة مركزية للبيانات والمؤشرات المرجعية وأفضل الممارسات، بما يمكّن الشركات من مقارنة أدائها بنظيراتها، ويوفّر لصانعي السياسات بيانات موثوقة عن الانبعاثات والتمويل الأخضر.
وأوصى المنتدى غرف الصناعة والتجارة وجمعيات الأعمال بتطوير برامج لبناء القدرات بالشراكة مع بورصة عمّان، تشمل تقييم الأهمية النسبية، وتحليل أصحاب العلاقة، والتمكين الاقتصادي للمرأة، وكفاءة الموارد وإعداد تقارير الاستدامة. وشدّد على إتاحة أدوات عملية باللغة العربية، والاستفادة من الأدلة الدولية وإرشادات البورصة ومعجم الاستدامة والاقتصاد الدائري الذي أطلقه المنتدى وبروتوكول غازات الدفيئة.
هذا وقدّمت الورقة خارطة طريق للشركات الصغيرة والمتوسطة تبدأ بتدقيق استهلاك الطاقة والمياه لتنفيذ تحسينات منخفضة التكلفة، ثم تحسين إدارة النفايات وتبنّي ممارسات الاقتصاد الدائري. وتشمل اعتماد سياسات مؤسسية للشفافية والامتثال والأجور العادلة والتمكين الاقتصادي للمرأة، واستكشاف التمويل الأخضر والاستثمار المؤثر، وتطوير مهارات فرق عملها الداخلية، والتواصل بشفافية مع العملاء والشركاء والمستثمرين بشأن التقدم المحرز.
واختتم المنتدى ورقته بالتأكيد على أهمية تعاون أصحاب العلاقة للانتقال من رفع الوعي إلى التنفيذ، من خلال معالجة التحديات التمويلية وتعزيز القدرات وتهيئة بيئة داعمة لتبنّي الشركات الصغيرة والمتوسطة هذه الممارسات.