قرب قاعة توجيهي
الفتوى المضحكة المبكية بأن الغش في التوجيهي محرم شرعاً، لا تعيدنا إلى المربع الأولى في بديهيات الأديان السماوية كلها والقيم الأخلاقية ومنظومتها، بل تؤشر إلى تفاقم ظاهرة بات المجتمع يتقبلها ويرضاها، بل ويسهم في دعمها وإسنادها.
وإذا كان صحيحاً ما قاله نابليون بونابرت، عن استعداده خوض مئة معركة على ألا يدخل قاعة امتحان، بورقة وقلم ويدين راجفتين، إذا كان صحيحا؛ فهو يشعرنا بقليل من التعزية ونحن نتذكر الرهاب والخوف الكبيرين اللذين يرافقان الطلاب قبل وحال دخولهم قاعات الثانوية العامة، كونها البعبع الأكبر، الذي يحتل مجتمعنا في السنة مرتين.
ولأن الحرب خدعة، فسيحلو للبعض أن يتعاملوا مع هذه المقولة بكل سطحية، بل ويمزجونها بمقولة بونابرت، ولهذا يقرون بأحقيتهم بممارسة فنون الغش في الامتحانات؛ كونها ليست أقل من معارك حقيقية، فنسمع عن هذه الفنون والدهاليز الكثير الكثير خصوصا مع شيوع التقنية الإلكترونية الحديثة، ونستهجن فروسية بعض الطلبة وفهلوتهم، في هذه المهمات الغشية. وإذا كنا واثقين من إيمان رجال التربية والتعليم وأمانتهم بالوقوف بوجه كل محاولة غش غاشمة، إلا أن هذه الجريمة موجودة وتمارس علناً، وتأخذ حيزا واضحاً في امتحاناتنا.
قرب قاعة ثانوية عامة، وبعد نهاية امتحان يوم السبت، كان شاب يفتش باجتهاد في أوراق صغيرة متناثرة على أرض قرب جدار المدرسة، وعندما سألناه، عن أي شيء يبحث، أجاب إنه يجمع أوراق الغش الجاهزة، التي يتخلص منها الممتحنون حال خروجهم، فهو سيقدم الثانوية في العام المقبل، وبهذا يكون جاهزا لدخول المعركة بكل سلاحها: أحسن استعداد.
وبعد حديث وجدنا بحوزته كتباً صغيرة، هي كتب المنهاج المدرسي للثانوية العامة، بأبعاد لا تتجاوز مساحتها نصف راحة اليد وأصغر، يتسلح بها بعض الممحتنين، لأنها سهلة الدخول للقاعة للغش منها. إنها كتب مصغرة بآلات الاستنساخ الحديثة، وتباع نهارا جهارا في كثير من مكتبات القرطاسية، توفيرا لجهد الطلبة في نسخ غشهم بأيديهم: مساكين!.
أنا متعاطف مع الطلبة التوجيهي، ولكني أكثر تعاطفاً مع مجتمعنا الذي سيتلقى صفعة غشهم حين ينخرطون في خدمته، وقد نجحوا بالهيلمة والغش والفهلوة. ثم نريد محاربة الفساد. فمن يغش ويسهم في الغش، لا يحق له منطقياً المطالبة بالإصلاح...عليه أن يصلح نفسه أولاً.