تخوف من وقوع لبنان في فتنة طائفية...وسباق بين الدم والتسوية في سوريا
تسود في لبنان تخوف كبير من احتمال حصول نزاع مذهبي خاصة وأن هناك على ما يبدو قوى خارجية توظف كل طاقاتها وإمكانياتها من اجل خلق اجواء فتنة ستكون في حال نشوبها اشد ضراوة من الحرب الأهلية التي عانى منها لبنان في السابق نحو 15 سنة .
والملاحظ ان الأجواء باتت ملائمة وأن كل الأطراف تتحضر لها ، وأن كل طرف ينتظر ان يكون الطرف الأخر هو البادىء لكي يتحمل وحده تبعات ما ستؤول اليه الأوضاع التي لن تبقى محصورة في لبنان بل ستنتقل الى المنطقة بأكملها .
وكانت بوادر هذه الفتنة قد بدأت في باكستان ومن ثم انتقلت الى العراق حيث لا يمر يوم دون حصول تفجيرات وعمليات انتحارية ذات طابع مذهبي من السنة والشيعة على السواء .ومع نشوب الأزمة السورية قبل نحو السنتين بدأت بعض جوانب الصراع تأخذ طابعاً مذهبياً وطائفياً تارة بين مسلمين ومسيحيين وتارة أخرى بين اهل السنة والعلويين والدروز والشيعة الى حد لا يمكن انكار وقوع مجازر في عدة محافظات سورية بحق ابرياء لا ذنب لهم إلا انهم تواجدوا جغرافياً في مناطق ذات اغلبية اصبحت مناهضة اليوم .
ورغم ان لبنان الرسمي أخذ قراراً يقضي بضرورة " النأي بالنفس " عما يجري في سوريا إلا ان لبنان الشعبي كان له توجه أخر حيث ناصر فريق من اللبنانيين نظام الرئيس بشار الأسد وفريق أخر ناصر المعارضة.
فزاد ذلك من حجم الشرخ بين اللبنانيين الذين كانوا اصلاً منقسمين اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 ما بين حلف اُطلق عليه تسمية " 8 اذار " وحلف اُطلق عليه تسمية " 14 اذار " .والمفارقة ان الإنقسام ما بين 8 و 14 اذار كان انقساماً سياسياً لأن كل طرف يضم مزيج من كل الطوائف ، فيما الأن فإن الخلاف العائم على السطح هو في عمقه مذهبي وله ابعاد اقليمية ودولية ، كما ان بيد كل طرف ما يكفي من السلاح لخوض " حرب المائة عام ".
والمؤسف انه حتى الأجهزة الأمنية في لبنان تتأثر بألوان طائفية ومذهبية بإستثناء الجيش اللبناني الذي رغم تماسكه وإلتزامه الوطني فإنه متهم من قبل البعض بأنه فئوي وخاضع لتأثيرات سياسية ومذهبية الى حد وكأن المطلوب ضرب هذه المؤسسة وتمزيقها لإفقاد البلاد قوتها الوحيدة القادرة على مواجهة أي فتنة وردع أي خلل أمني .
كما المؤسف ايضاً ان المسؤولين الرسميين في لبنان ، وكذلك زعماء الأحزاب والتنظيمات السياسية ، ورغم ادراكهم خطورة الوضع ، فإنهم يتجاهلون هذه التحديات لأن جميعهم منشغلون بملف الإنتخابات البرلمانية التي تستحق يوم 9/6/2013 والتي من غير المؤكد انها ستجري ، لأن أي انفجار أمني سيطيح بها كما بالبلاد برمتها .وحتى الهيئات والفعاليات الدينية غائبة عن إداء أي دور رغم ان الوقت لا زال متاحاً امامها من اجل محاولة إعادة لم الشمل ووأد الفتنة في مهدها
وتأتي تخوفات الفتنة الطائفية في لبنان في وقت تشهد جارتها سوريا بعد سنتين مضتا فيها دفع خلالها الشعب السوري ثمناً باهظاً تمثل في تهجير نحو 3 ملايين مواطن من مناطقهم الى مناطق أخرى داخل سوريا ، ونزوح نحو مليوني مواطن الى دول الجوار ، وتدمير كامل للبنى التحتية ، وخراب في القطاعات الإنتاجية والمرافق العامة ، وسقوط نحو مائة الف قتيل ومئات الاف الجرحى .
سنتان مضتا وقد افرزت المزيد من الإنقسام والتشرذم وعدم الوضوح في الرؤى لدى كل الأطراف المعنية ، وغياب كلي لأي مشروع انقاذي جدي بإستثناء ما يطرح عبر وسائل الإعلام من شعارات فضفاضة تدعو الى رحيل النظام وعدم الموافقة على أي تسوية بوجوده، مقابل طروحات من النظام بأن لا حل إلا عبره ومن خلاله.
ووسط هذه الأجواء ينشط الوسيط العربي – الدولي الأخضر الأبراهيمي متنقلاً بين العواصم ومفتشاً عن مشاريع حلول ترضي ولو الى حد ما السلطة والمعارضة عسى ان تشكل نواة بداية حل او منطلقاً لفتح حوار سياسي بعيد عن لغة المعارك .
ويعي الأبراهيمي تماماً ان الحل ليس داخل دمشق ولا في المكاتب التي يتواجد فيها اركان المعارضة خارج سوريا ، بل الحل موجود في ادراج صنَاع القرار الدولي او لدى جماعات تعتبر نفسها انها من صنَاع القرار الدولي .
وبناء عليه كان على الأبراهيمي ان :يزور موسكو وبكين وطهران ليطرح ما يراه مناسباً بشأن مستقبل نظام الرئيس بشار الأسد ويحاول ان يقنع هذه الأطراف بحلٍ او حتى بهدنة لأن الرئيس الأسد وحده لا يقرر موقفاً دون العودة لهذه القوى ، وهذه القوى لا تتخذ قراراً نيابة عن الرئيس الأسد .وأن يزور واشنطن وباريس ولندن وأنقرة والقاهرة والرياض والدوحة ليناقش معها ما يمكن ان تقبله المعارضة المؤلفة من عدة اطراف والتي لكل طرفٍ منها ارتباطاته الخاصة اقليمياً ودولياً .
وأن يتواصل بشكل مباشر او بالواسطة مع قيادات تنظيمات اصولية تعتبر نفسها انها تمتلك حرية اتخاذ قرارها وأنها معنية اكثر من غيرها بكل ما يجري داخل سوريا كونها "ارض جهاد" كما كانت افغانستان والعراق والشيشان وباكستان واليمن وغيرها من اراضي "الإمارات الإسلامية" .
وإذا كان الأبراهيمي حتى الأن لم يمسك بعد بطرف الخيط فليس لأنه لا يعي حقيقة الأزمة السورية وتشعباتها بل لأن القوى الفاعلة فيما يحصل في سوريا لا تريد ان توافق على أي حل عبر الأبراهيمي ، بل تفتش بنفسها عن تسوية تستطيع من خلالها تحقيق مكاسب ، إن لم يكن في الملف السوري فعلى الأقل في ملفات اقليمية ودولية أخرى .
ولهذا تتجه الأنظار الى ما سيحمله لقاء القمة بين الرئيس الأميركي باراك اوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد ان اصبح لكل منهما رؤية واضحة تتمثل بالتالي :تدرك واشنطن ان المعارضة السورية ضعيفة ومشرذمة وانه كلما طال عمر الأزمة فإن الأرض تصبح مباحة بشكل اكبر امام تنظيمات سلفية – جهادية منظمة ومدربة وفاعلة وقادرة على ان تتفرد مستقبلاً بالسلطة لتكون سوريا منطلقاً لقيام "إمارة" تهدد امن المنطقة وكل ما فيها من مصالح غربية.
كما تدرك واشنطن ان كل الضغوطات التي مارستها ضد نظام بشار الأسد لم تؤد الى تفسخه وتقسيمه او الى انشقاق جيشه ، لا بل على العكس لا زال النظام متماسكاً بكافة رموزه وقواه مما يعني ان أي حل يجب ان يكون بمشاركة النظام وليس من خلال تجاوزه .
تدرك موسكو ان المعارضة السورية هي كناية عن " معارضات " وأنها وصلت الى حائط مسدود ومع ذلك لا تستطيع موسكو التفتيش عن حل دون اشراك هذه "المعارضات" شرط عدم التفريط بنظام الأسد الذي يكفل لها مصالحها في المنطقة ويضمن لها الإتفاقيات المعقودة معها خاصة وأن دمشق أخر القلاع التي تتمترس فيها روسيا في منطقة الشرق الأوسط .
تدرك سائر القوى الأخرى من اوروبية وتركية وإيرانية وعربية انها غير قادرة على تسويق أي حل او اتخاذ أي قرار حاسم لجهة ازالة النظام او الإبقاء عليه بمعزل عن موافقة واشنطن وموسكو حتى وأن سُمح لبعض هذه القوى بلعب دور هامشي او ثانوي بحسب مقتضيات الظروف .
ولطالما ان موعد التسوية يحتاج الى بعض الوقت فإن هناك محاولات من كل طرف لتحسين موقعه في التفاوض .من هنا تتجه الأنظار الى التطورات الأمنية داخل سوريا وتصاعد موجات العنف والقتل والتفجير والتدمير من كل القوى دون استثناء ، كما تتجه الأنظار الى الموعد الجديد للتفاوض مع ايران بشأن ملفها النووي ، والى زيارة وزير خارجية اميركا جون كيري الى الشرق الأوسط والتي ستليها زيارة للرئيس اوباما .
وتتجه الأنظار ايضاً الى ما يجري في مالي وجوارها الأفريقي .. ومصر .. وتونس .. والعراق ، وما يجري في تركيا بين النظام الحاكم والأكراد .وبإنتظار انقشاع الرؤية سيسقط المزيد من الأبرياء الذين هم مجرد ارقام في دفاتر حسابات الكبار