الزراعة: خطوات جديدة لضبط سوق اللحوم قبل الأضحى

تشهد أسعار اللحوم الحمراء موجة ارتفاع ملحوظة تعكس واقعًا معقدًا لم يعد مرتبطًا بعوامل محلية فقط، بل بتشابك عوامل دولية أبرزها زيادة الطلب العالمي وارتفاع كلف الشحن والتأمين، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد بفعل الظروف السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية.
هذا الواقع ألقى بظلاله على العديد من الأسواق، بما فيها الأردن، الذي وجد نفسه أمام تحديات تتطلب تدخلًا سريعًا ومتوازنًا للحفاظ على استقرار السوق.
وبهذا الصدد صرح مساعد الأمين العام للثروة الحيوانية في وزارة الزراعة المهندس مصباح الطراونة أن هذه التحديات تفاقمت مع اشتداد المنافسة على المناشئ التقليدية للاستيراد، مثل رومانيا، حيث دخلت دول من شمال إفريقيا بقوة على خطوط التوريد مثل المغرب العربي ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص الكميات المتاحة.
وفي الوقت ذاته، فرضت الاشتراطات الصحية البيطرية قيودًا إضافية على الاستيراد من بعض الدول التي سجلت إصابات بأمراض عابرة للحدود، مثل الطاعون، الأمر الذي حدّ من خيارات الاستيراد، ومنع التعامل مع بعض الأسواق الأوروبية مثل إسبانيا.
وأشار الطراونة إلى أنه داخليًا، لم يكن الوضع أقل تعقيدًا، إذ ساهمت الظروف المناخية الإيجابية هذا العام، والتي وُصفت بأنها «سنة خير وربيع»، في تغيير سلوك المربين، حيث فضّل العديد منهم الاحتفاظ بالمواشي بدل بيعها مبكرًا، نظرًا لانخفاض كلف الأعلاف الطبيعية، ما شجعهم على تأجيل البيع إلى حين ارتفاع الأسعار، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى.
كما لجأ بعض التجار إلى تسمين المواشي بهدف زيادة أوزانها وتحقيق عوائد أعلى، في ظل الارتفاعات العالمية، ما أدى إلى تقليل الكميات المطروحة في الأسواق خلال هذه الفترة.
أمام هذه المعطيات ذكر الطراونة أن وزارة الزراعة تحركت وفق توجيهات وزير الزراعة المهندس صائب خريسات، عبر سلسلة من الإجراءات الواسعة التي تستهدف زيادة المعروض وخفض الكلف.
ومن أبرز هذه الإجراءات فتح مناشئ جديدة وقريبة تستوفي الاشتراطات الصحية البيطرية المعتمدة دوليًا، مثل سوريا ومصر، حيث تم السماح باستيراد الأغنام الحية من سوريا، واللحوم الطازجة والمبردة من كل من مصر وسوريا، ما يساهم في تقليل كلف النقل وتسريع وصول الإمدادات.
وبين الطراونة أنه تم اتخاذ قرار حاسم بمنع إعادة تصدير أي حيوانات حية يتم استيرادها، لضمان بقاء هذه الكميات داخل السوق المحلي وتعزيز استقرار الأسعار.
وفي خطوة لوجستية مهمة، جرى فتح مسارات نقل جديدة عبر الموانئ البحرية، من بينها استخدام ميناء طرطوس السوري كنقطة عبور (ترانزيت) لنقل المواشي، الأمر الذي ساهم في تجاوز تحديات الشحن الجوي وخفض التكاليف.
وامتدت الإجراءات لتشمل اعتماد دول وسيطة لنقل اللحوم الطازجة والمبردة من دول بعيدة مثل جنوب إفريقيا، إلى جانب السماح بإدخال شحنات الذرة والصويا عبر ميناء طرطوس، بهدف خفض كلف الأعلاف المركزة، التي تشكل العبء الأكبر على المربين.
كما وسّعت الوزارة قائمة الدول المسموح الاستيراد منها لتصل إلى 21 دولة، جميعها مطابقة لاشتراطات منظمة صحة الحيوان العالمية، بما يعزز تنوع مصادر التوريد ويحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق محددة.
وأوضح الطراونة أن الأرقام تعكس حجم التدخل الحكومي في السوق، حيث تم منذ بداية عام 2026 استيراد نحو 183 ألف رأس من الخراف الحية، و24 ألف رأس من العجول، إلى جانب 436 طنًا من لحوم الخراف عبر 20 إرسالية، و5731 طنًا من لحوم العجول عبر 250 إرسالية، من مناشئ متعددة تشمل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وأستراليا ومصر وسوريا. وفي المقابل، لم يتم تصدير أي من الخراف المحلية إلى الخارج، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على المخزون الوطني وضمان توفر الأضاحي في السوق المحلي.
وقال الطراونة إنه في ظل الجهود المبذولة، فإن المعادلة التي نقوم بتحقيقها تقوم على مبدأ التوازن بين تلبية الطلب المتزايد، خاصة في المواسم، والحفاظ على استدامة قطاع الثروة الحيوانية. ورغم استمرار الضغوط العالمية، فإن تنويع مصادر الاستيراد، وتخفيض كلف النقل، ودعم مدخلات الإنتاج، تشكل أدوات فعالة للحد من ارتفاع الأسعار، وضمان توفر اللحوم والأضاحي بأسعار أكثر استقرارًا، بما يخفف العبء عن المواطنين ويحافظ على توازن السوق.