علامِكُم عليه… عمر العبداللات؟
في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، وتعلو فيه الأصوات قبل أن تكتمل الصورة، وجد الفنان الأردني عمر العبداللات نفسه في قلب جدلٍ واسع، عقب طرح أغنيته الجديدة "وعلامِكِي وشلونِكِي”.
جدلٌ لم يكن بحجم أغنية، بقدر ما كان بحجم ذاكرة فنية، وتاريخ طويل، ومسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
السؤال الحقيقي اليوم ليس إن كانت الأغنية قد أعجبت البعض أو لم تعجبهم، بل: علامكم عليه؟
حين نُقيّم عملاً فنياً، لا يجوز أن نفصله عن صاحبه، ولا أن نضعه في ميزانٍ منفصل عن تاريخه. فـعمر العبداللات ليس فناناً عابراً على الساحة، بل هو أحد الأصوات التي ارتبطت باسم الأردن، وحملت وجدان الناس في لحظات الفرح والانتماء، من المدرج الروماني إلى أكبر المسارح العربية.
منذ أواخر الثمانينيات، لم يكن حضوره مجرد غناء، بل كان مشروعاً وطنياً قائماً بذاته. حمل الأغنية الأردنية، بلهجتها وتفاصيلها، ونقل صورة المحافظات الأردنية بكل تنوعها، وساهم في ترسيخ هوية فنية لها حضورها عربياً. في وقتٍ كانت فيه اللهجات الأخرى تفرض حضورها، كان هو من القلائل الذين أصروا على أن يكون للأردن صوته الخاص.
وما لا يمكن تجاهله اليوم، أن تأثير عمر العبداللات لم يعد محصوراً داخل الأردن فقط، بل تجاوز ذلك ليصبح جزءاً من ثقافة المسرح العربي نفسه. فقد بات من المألوف أن يبدأ كثير من الفنانين العرب حفلاتهم في الأردن، أو مشاركاتهم أمام الجمهور الأردني، بأغنية من أغانيه، وكأنها "كلمة المرور” الأولى للوصول إلى قلوب الناس.
أغانيه لم تعد مجرد أعمال فنية، بل تحوّلت إلى بوابة عبور لأي فنان يريد أن يثبت حضوره ويكسب تفاعل الجمهور الأردني، وهو أمر لا يتحقق إلا لمن رسّخ نفسه كصوتٍ جامع وموثوق لدى الناس.
ما حدث مع الأغنية الأخيرة كشف مفارقة لافتة، وهي أن البعض اختار أن ينظر إلى العمل بمعزلٍ كامل عن هذا التاريخ. من حق أي مستمع أن يُعجب أو لا يُعجب، فهذا شأنٌ ذوقي بحت، لكن ليس من العدل أن يُختزل فنان بحجم عمر العبداللات في أغنية واحدة، ولا أن يُتجاهل ما قدّمه على مدى سنوات طويلة في خدمة الأغنية الوطنية والهوية الأردنية.
الأغنية جاءت بروح بسيطة، قريبة من الناس، واعتمدت على مفردات دارجة من اللهجة الكركية، تعكس أسلوب الحديث اليومي الحقيقي. هذه البساطة التي رآها البعض نقطة ضعف، قد تكون في حقيقتها محاولة واعية لإعادة ربط الناس بلغتهم، خاصة في زمنٍ بدأت فيه اللهجة الأردنية تتراجع تدريجياً، خصوصاً بين الأجيال الجديدة وأبناء المغتربين، تحت تأثير العولمة وانتشار اللهجات الأخرى.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى العمل كأغنية خفيفة فقط، بل كجزء من محاولة أوسع للحفاظ على مفرداتنا، ولهجتنا، وطابعنا الخاص. فحين تصبح الكلمة البسيطة مادة للجدل، فهذا بحد ذاته مؤشر على أننا أمام قضية أعمق من مجرد عمل فني.
بعيداً عن الأضواء، يعرف كل من اقترب من عمر العبداللات أنه ليس مجرد فنان، بل إنسان شغوف، عاشق لتراب هذا الوطن بكل تفاصيله، من شماله إلى جنوبه. رجل يرى في الأغنية رسالة، ويسعى من خلالها، ولو بكلمة، إلى إيصال عاداتنا وتقاليدنا، والحفاظ على الهوية الأردنية في زمنٍ تتغير فيه ملامح الكثير من الأشياء.
وإذا كان الأنباط قد نحتوا البتراء في الصخر حتى أصبحت واحدة من أعظم عجائب الدنيا، فإن عمر العبداللات نحت اسمه في ذاكرة الفن الأردني بالصبر والتعب. لم يكن خلفه دعم ضخم في بداياته، ولا مؤسسات إنتاجية كبرى، بل اعتمد على نفسه، وعلى إيمانه بما يقدم، وسخّر كل ما استطاع من إمكانيات ليصل بالأغنية الأردنية إلى مكان تستحقه بين الأغاني العربية.
لقد استطاع أن يجعل من الأغنية الأردنية حالة حاضرة في وجدان العربي، من الخليج إلى المغرب، وأن يقدّم نموذجاً لفنان حمل وطنه معه أينما ذهب. وهذا بحد ذاته إنجاز لا يُقاس بأغنية، ولا يُختزل بموقف عابر.
وربما الأهم من كل ذلك، أن هذا الصوت استطاع أن يجمع الناس رغم اختلافهم. فالمحب والمعارض، المقيم والمغترب، الجميع غنّى له في لحظة ما. وهذه ليست مجرد نجاحات فنية، بل حالة وطنية نادرة، يصعب تكرارها.
في النهاية، قد نختلف على عمل، وقد تتباين الآراء حول أغنية، وهذا أمر طبيعي وصحي، لكن ما ليس طبيعياً هو أن ننسى، في خضم النقد، من يكون هذا الفنان، وماذا قدم، وكيف كان جزءاً من تشكيل الذاكرة الفنية والوطنية لجيل كامل.
عمر العبداللات ليس مجرد اسم في عالم الغناء، بل هو صوت مرحلة، وذاكرة وطن، وإرث فني تشكّل عبر سنوات طويلة من الجهد والانتماء…