البلد ملزّقة بـ “تيب”


كتب : د بشار حوامدة
وصلتُ للتو من مطار رفيق الحريري الدولي، بعد ليلةٍ دامية للوصول عبر الأوزاعي إلى المطار، وسط ظلامٍ دامس، وجوٍّ مليء بالرعب والقصف والتهديد.
نعم، وصلتُ بحمد الله إلى مطار الملكة علياء الدولي، وفرحتُ جداً لحظة ارتطام عجلات الطائرة بالأرض، حتى أنني كدتُ أقبّل وجه الرقيب العابس خلف الكاونتر، لولا أنني خشيت أن يوقفني بتهمة تعطيل عمل رجل أمن.

كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحاً. طلبتُ سيارة "أوبر”، وبدأت الحديث بالسلام:
كيف شايف البلد؟

ومن جسر المطار إلى مقربة من الدوار السابع، بدأ "الموشّح” يمتدّ بلا انقطاع:
البلد ملزّقة بـ "تيب”، الناس ما بترحم، الكهرباء ارتفعت، البنزين أعلى من برج خليفة، أقساط السيارات، البنوك، قسط الآيفون 17، والجمعيات
وبصراحة، شعرتُ في تلك اللحظة أنه لو بقيتُ في بيروت لكان أرحم نفسياً.

هنا تدخلت وسألت:
– هاي السيارة إلك؟
قال: الحمد لله، وعندي كمان محل قهوة "صب” بوادي الرمم.
– بيتك ملك؟
قال: لا، بس أبوي عنده بيت ،، وهو مريض ومش مطوّل، ورح آخده.
– وإخوانك بشتغلوا؟
قال: إحنا أربعة شباب؛ اثنين بالأمانة، وأخ عنده ورشة دهان سيارات، والأخير بالمحل ،، بس إنت عارف وضع البلد، تعبس ،، زي ما حكيتلك.
ثم أعاد نفس "الموشّح” الحزين مرة ثانية.



هنا قلت له:
لو سمحت، اسمع ما سأقوله لك

أنا قادم من لبنان؛ بلد لا كهرباء فيه ولا ماء، والبنزين أغلى مما تتوقع.
قصفٌ صهيوني في كل مكان، وكل يوم عائلة تودّع شهيداً أو اثنين.
البنوك أخذت الملايين، وسمحت للمودعين أن يسحبوا 200 دولار شهرياً فقط.
انفجارات، اغتيالات، وحرب شبه أهلية في كل قرية وناحية.

ومع كل هذه الويلات ،، وتحت كل هذا الخراب، تجد الناس يشعلون الأرجيلة، ويوثّقون الاعتداءات من شرفات منازلهم، وآخرين يسهرون في البترون حتى ساعات الصباح الأولى.
يصرفون آخر ألف دولار في سهرة واحدة بكل محبة ،، بينما نحن نحزن ونتوتر إذا خسرنا ألف دولار من رأس مال يتجاوز مئات الآلاف.



هل نظرتَ يا صديقي إلى ما يجري في سوريا؟
شعب يعيش تحت خط الإنسانية ،، أسعار مرعبة، ورواتب ممحوقة، وحروب أهلية وطائفية، وقتل على الهوية ..
في الوقت الذي يغضب فيه الأردني إذا سأله شرطي السير عن الرخصة أو الهوية.

وهل زرت يوماً العراق؟
هل رأيت الأعلام السوداء وأصحاب العمائم وهم يسيطرون على البصرة؟
أين ذهب أبو نواس وبدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري؟
ومن أين جاء كل هذا السواد؟

وهل رأيت كيف يتلحّف أهل قطاع غزة الهواء والعواصف، وكيف يأكلون الجيف من شدة الجوع؟
وهل رأيت كيف يطال القصف كل مواطن عربي شريف من عدو صهيوني قاتل؟


يا راعي الأوبر،
ربما الأردن ليس بلداً ثرياً كدول الخليج، ولا دولة إسكندنافية، وربما لا يملك النفط، ويعتمد فعلياً على الضرائب ،، وهذا قدرنا.
لكن يكفينا فخراً أننا ما زلنا متماسكين رغم قلة الحيلة، ولم نشعر يوماً أننا مظلومون.
فلو أخطأ بحقك أمير أو وزير، يمكنك مقاضاته وأخذ حقك.


ذات يوم، سألني أحد أصحاب البسطات في مخيم ما، وقال إن حقه مهضوم ويريد مساعدتي في رفع الظلم.
سألته عن أبنائه، فقال:
واحد في الدفاع المدني، والثاني في الأمانة، والثالث رفض الوظيفة الحكومية وفضّل العمل الحر.
نظرتُ إليه وقلت:
"متأكد إنك مظلوم يا حج؟”
ضحكنا وقال:
"إدفشهم من عندك ،، زيادة الخير خيرين.”


الأردن، اثنا عشر مليوناً ونصف المليون مواطن، ربما ليس كلنا سعداء
لكنني متأكد تماماً أننا أسعد بكثير من "سعداء” في دول مجاورة.

أما "التيب” الذي تتحدث عنه
فهو "دبل فيس” وأصلي كمان.