حين تصبح المنصّة مرآة لصاحبها: حرية التعبير… والمعايير المزدوجة في الفضاء الرقمي
حين تصبح المنصّة مرآة لصاحبها: حرية التعبير… والمعايير المزدوجة في الفضاء الرقمي
في العالم الرقمي، لم تعد المنصات الإلكترونية مجرد أدوات تواصل، بل تحوّلت إلى ساحات نفوذ، تُدار بقوانين دقيقة وسياسات صارمة تضبط إيقاع الكلمة قبل أن تصل إلى الجمهور. فليس بمقدور أي مستخدم أن يكتب ما يشاء دون حساب ، إذ تخضع المنشورات لمعايير واضحة، تمنع التحريض على العنف، وخطاب الكراهية، ومخالفة القوانين المحلية والدولية ، وفي حال الخروج عن هذه القواعد، يأتي الرد سريعاً: حذف المحتوى، تنبيه المستخدم، وربما تجميد الحساب أو إلغاؤه نهائياً عند تكرار المخالفات.
هذا هو الوجه "المنضبط” للفضاء الرقمي… على الأقل في ظاهره.
فأي منصة، مهما كان حجمها أو مالكها، يفترض أن تلتزم بشروط الاستخدام وسياسات الخصوصية، وأن تكون جزءاً من منظومة قانونية أوسع، وطنية ودولية ، لكن ما إن ندخل إلى عالم السياسة حتى تبدأ هذه القواعد بالتراخي، وتظهر "المرونة” في غير محلها، لتتحول أحياناً إلى استثناءات تطرح أكثر من علامة استفهام.
منصة Truth Social، التي ارتبطت باسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثل نموذجاً لافتاً في هذا السياق ، فهي منصة خاصة أُنشئت بعد أن مُنع ترامب من استخدام تويتر (X حالياً) نتيجة مخالفته سياسات النشر آنذاك ، ومن حيث الشكل، لا تختلف عن غيرها: لديها شروط استخدام، وسياسات محتوى، وقواعد يُفترض أنها تنطبق على الجميع.
لكن من حيث الواقع… تبدو الصورة مختلفة.
فالمنصة تمنح مستخدميها هامشاً أوسع للتعبير مقارنة بغيرها، وهو أمر قد يُفهم في إطار الدفاع عن حرية الرأي. غير أن الإشكالية لا تكمن في "اتساع السقف” بحد ذاته، بل في تفاوت تطبيق هذا السقف ، إذ يبدو أن مالك المنصة—وهو الشخصية الأكثر تأثيراً فيها—يتمتع بمساحة لا تُقاس بما يُمنح لغيره، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل القواعد تُطبّق على الجميع، أم تُفصّل على مقاس من يملك المنصة؟
المسألة هنا لا تتعلق بشخص ترامب بقدر ما تتعلق بمفهوم العدالة الرقمية ، حين يُحظر مستخدم عادي بسبب منشور مخالف، بينما تمر تصريحات أكثر حدّة دون مساءلة تُذكر، فإننا أمام نموذج واضح لـ”المعايير المزدوجة”، حتى في فضاء يُفترض أنه الأكثر حيادية وانفتاحاً.
صحيح أن المنصات الخاصة تملك الحق في إدارة محتواها وفق رؤيتها، وصحيح أيضاً أن القانون الأمريكي يظل المرجعية الأساسية لمحاسبة أي شخصية داخل الولايات المتحدة ، لكن في زمن أصبحت فيه الكلمة الرقمية تتجاوز الحدود، وتؤثر في الرأي العام العالمي، لم يعد من السهل الفصل بين "ما هو محلي” و”ما هو دولي”، ولا بين حرية التعبير ومسؤولية التأثير.
المفارقة أن المنصات التي وُجدت لتنظيم الفوضى الرقمية، قد تتحول—في بعض الحالات—إلى أدوات تعكس فوضى من نوع آخر: فوضى المعايير.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نحن أمام فضاء رقمي تحكمه القوانين فعلاً، أم أمام منصات تُدار وفق ميزان القوة والنفوذ؟
ربما لم تعد المشكلة في وجود القواعد… بل في من يملك حق تجاوزها.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.