"نبتة في أصيص" .. أوروبا تدخل عصر الإذلال

مرّت أوروبا بعصور عديدة في تاريخها الحافل: عصر الاكتشاف، عصر العقل، عصر التوسع، عصر الدمار، وعصر التوحيد وها هي الآن تدخل عصرا جديدا: عصر الإذلال.



قد يبدو الصراع الأوروبي مع دونالد ترامب حول إمكانية شراء الولايات المتحدة لغرينلاند من الدنمارك بالقوة أمرا غريبا، لكنه يندرج ضمن نمط أوسع.

فدول عظمى مثل الولايات المتحدة أو الصين تتحرك، وأوروبا ترد، ثم تتخذ الولايات المتحدة أو الصين خطوة حاسمة، بينما يتردد الاتحاد الأوروبي بالرد ويدور النقاش.

هذا الأسبوع، انتابت النخب الأوروبية حالة من الهلع إزاء تهديدات ترامب باستخدام القوة أو فرض تعريفات جمركية للسيطرة على غرينلاند، ليعود ترامب بعدها ويدّعي أنه أبرم اتفاقا مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، وهو اتفاق كان مطروحا بالفعل منذ فترة.

وهدأت شدة العاصفة الآن إلى أن ينشغل ترامب بأمر آخر، أو يقرر أن صفقة غرينلاند عملية احتيال، وعندها ستضطر أوروبا للرد على استفزازات خارجية مرة أخرى.

منذ القرن الخامس عشر فصاعدا، كانت أوروبا القوة المهيمنة في تاريخ البشرية، تارة للخير (عصر النهضة والمثل الليبرالية)، وتارة للشر (النازية والاستعمار)، ولكن دائما ما كانت لها عواقب غيرت ملامح العالم.

ابتكر الأوروبيون التقنيات الأساسية للعصر الحديث، من المطبعة إلى المحرك البخاري، فضلا عن الأفكار السياسية المحورية وفرضوا إرادتهم على بقية العالم من خلال الإمبريالية والاستعمار، كما أن ثلثي الأعضاء الحاليين في الأمم المتحدة كانوا ينتمون إلى إمبراطوريات أوروبية في مرحلة ما من تاريخهم.

مع ذلك، ورغم دبلوماسية السفن الحربية، انتصرت أوروبا بالجاذبية والإكراه معا، وتبنت المستعمرات رياضات أوروبية (بريطانية في الغالب) مثل الغولف والتنس والكريكيت وكرة القدم، وأمر أتاتورك شعبه بالتخلي عن الطربوش لصالح القبعة الأوروبية، واستوحى جواهر لال نهرو تصميم برلمان الهند المستقلة حديثًا من البرلمان البريطاني، حتى في تفاصيل وجود رئيس للبرلمان.

كادت أوروبا أن تدمر نفسها في الحربين العالميتين الأكثر تدميرا في التاريخ الحديث. حربان بدأتا في قلب أوروبا وامتدتا إلى العالم، ومع ذلك، بعد انقشاع غبار الحرب، ظلت أوروبا في قلب الصراع الكبير بين الرأسمالية والشيوعية.

كما انخرطت أوروبا في عملية تطهير ذاتي غير مسبوقة، خالقة نمطا جديدا من السياسة ونمطا جديدا من المجتمع: دولة ما بعد القومية واقتصاد مختلط يوفر لجميع مواطنيه مزايا وإجازات سخية.