رسالة الميلاد من الأردن ... وطن ترتيلته المحبة

رسالة الميلاد من الأردن ... وطن ترتيلته المحبة

في الوقت الذي تحتفل فيه الإنسانية بميلاد مسيحنا عيسى بن مريم ، رسول المحبة والسلام ، تتجلى صورة الأردن كأيقونة أخلاقية ونموذج حضاري متفرد ، تتجسد فيه قيم الأخوَة وشراكة الحياة نبضاً أصيلاً في الهوية الوطنية ، وروحٌ تسري في عروق المواطنة التي تذوب في كنفها أوهام "الأقليات" و"الأكثريات"، لتسمو فوقها كرامة الإنسان .
إن التلاحم الأردني ليس خطب تتلى في المناسبات ، بل هو واقع متجذر في تفاصيل الحياة اليومية ، ففي مدننا وقرانا ، لا يعكس تعانق المآذن والصلبان مشاهد رمزية فقط ، أنما هو شراكة وجدانية ضاربة في عمق التاريخ ، ولعل وقوف "مسجد المسيح عيسى بن مريم" في مادبا شاهدًا حيًا على هذا العمق القيمي ، وعلى المكانة الرفيعة التي يحتلها السيد المسيح في الوجدان الإسلامي ، ليغدو المسجد ليس مجرد بناء ، بل منارة روحية تذكر بوحدة الجذور الدينية ، وبأن الرسالات السماوية من مشكاة واحدة ، تلتقي في جوهرها الإنساني قبل أي اختلافات عقائدية .
ويأبى الأردنيون إلا أن يترجموا هذا الإيمان إلى واقع ، فكم من مسجدٍ شُيد بفيض جودِ مسيحيين آمنوا بأن بيوت الله فضاءات جامعة ، وكم من كنيسة قامت على ثرىً وهبه مسلمون في رسالة صريحة بأن الأرض لله والوطن يسع الجميع بلا استثناء . هذه الشواهد منتشرة على امتداد الوطن ، من المسجد العمري في الكرك الذي نهض على أرض وقفٍ مسيحي ، إلى دير اللاتين في "السماكية" الذي تبرع بأرضه مسلمون ، وصولاً إلى إربد "عروس الشمال"، التي سطر أبناؤها أسمى آيات التكافل حين تبرع المسلمون لبناء كنيسة الروم الكاثوليك ، ليرد المسيحيون الجميل ببناء مئذنة الجامع الكبير .
وقد استوقف هذا الحوار الإنساني الراقي شاعر الأردن "عرار"، فخلده في الذاكرة الوطنية بأبياتٍ تنبض بالحياة :
بارك الله فيك أردنّ داراً .. ليس فيك الغريب عن أوطانه .
بلدٌ كلُّه هدى فسواءٌ .. جرسُ ناقوسه وصوتُ آذانه .
وهنا تختزل هذه الأبيات عبقرية المكان الأردني ، وروح الإنسان الأردني ، حيث يمتزج صوت الأذان بدقات الناقوس ليشكلا معًا لحنًا خالدًا للوحدة الوطنية ، ونموذجًا إنسانيًا يتجاوز الحدود .
إنّ هذا التجذر القيمي يتجلى كذلك في البعد الاجتماعي والإنساني ، حيث نلمس نماذج وطنية تحمل في أسمائها وسيرتها هذا الانصهار الفريد ، كما في شخصية الأب الخوري محمد شرايحة ، حيث يجتمع الاسم النبوي مع الصفة الكهنوتية في دلالة عميقة على انسجام الهوية الأردنية ، وقدرتها الفائقة على احتواء الاختلاف وصهره في بوتقة الانتماء الواحد .
في هذه المناسبة المجيدة، يجدد الأردنيون عهدهم بأن قيم المحبة والتسامح ليست مجرد خيارٍ ، بل هي بل هي قدرٌ وركيزةٌ أصيلة في وجدانهم الجمعي ، ونهجٌ راسخ في سفر تاريخهم الذي جعل من كرامة الإنسان جوهر هويته ، ومن التعايش دستوراً أخلاقياً ثابتاً . وفي عالمٍ تعصف به الصراعات وتتداعى فيه القيم ، ينهض الأردن كمنارةٍ للأمل من أرضٍ احتضنت الرسالات ، ليبقى نورها متقداً يهدي البشرية . فهنيئاً للأردن بهذا الإرث الحضاري العريق ، وهنيئاً للعالم برسالة الأردن الإنسانية ، فما دام في الأوطان متسعٌ للمحبة ، فثمة دائماً مساحة للأمل .
محمد قاسم عابورة