صدمة الحرية علاجها مزيد من الحريات


تعتبر حرية التعبير احد مظاهر الحرية الانسانية، ونظرا لاهمية هذا الشكل من اشكال الحرية فان البعض قد يعتقد ان حصوله على حرية التعبير يعني حصوله على الحرية، ولكنه يتفاجأ عندما ينال هذه الحرية (وخاصة بعد حرمان طويل منها) انه ما زال غير حر وانه لم يشعر باي قيمة حياتية او انسانية مضافة نتيجة هذه الحرية التي حصل عليها.

فترة الحرمان من حرية التعبير وعدم الحصول على الحالة المتوقعة بعد الوصول اليها تجعل الكثير من الناس يستخدمون هذه الحرية بطريقة غير مسؤولة، فيميلون الى اسلوب الهجوم الدائم والعدائية الصاخبة في التعبير، وكأن المطلوب هو رفض اي شي والاعتراض على كل شيء ويساند هذه الحالة من الرفض الواعي وغير الواعي عدم الثقة التي يشعر فيها الفرد نتيجة تجارب سابقة صاحبها الكثير من الفشل والاحباط.

يمكن تشبيه هذه الحالة على نحو ما بحالة الشخص الذي منع عنه الطعام لعدة ايام ثم وجد نفسه امام مائدة ملأى باصناف الطعام المختلفه، فيبدأ بالتهام الطعام التهاما غير ابه بالسلوك الانساني الطبيعي الذي اعتاد عليه، ولكن بعد حين يعود هذا الشخص الى حالته الانسانية الطبيعية تجاه الطعام، الا اذا شكل طول الحرمان منه عقدة نقص لديه وهو في هذه الحالة سيحتاج الى علاج للتخلص من هذه العقدة النفسية.

وسواء كان هذا السلوك المتعلق بسوء الاستخدام لحرية التعبير هو ردة فعل مؤقتة او نتيجة عقدة نقص سببها طول الحرمان فان الامر بحاجة الى تروي وهدوء لعبور المرحلة باقل الاضرار الممكنة وباسرع وقت ممكن وهذا ليس بالشيء العسير اذا توفرت نية صادقة ورؤيا شمولية عميقة ومدركة للواقع.

فما نشاهده حولنا من فوضى يرجع (في جانب منه) لهذه الحالة من الجوع لحرية التعبير، وربما احتجنا لبعض الوقت لتجاوز هذه الحالة، لذا فان الحل لا يمكن ابدا ان يكون من خلال الرقابة والمنع، فهذا من شأنه تعقيد المشكلة واطالة امد علاجها هذا ان لم تستعصي على العلاج، وعلى كل من يفكر بعلاج هذه الفوضى في حرية التعبير ان يصرف نظره اولا عن اي فكرة او طرح من شأنها ان تعيد عقارب الساعة الى الوراء.

ان حرية التعبير كما اشرنا هي احد مظاهر الحرية وليس جوهرها، فجوهر الحرية هو توسيع دائرة الخيارات امام الناس واحساسهم الحقيقي بانهم مالكين حقيقين لهذه الخيارات، وعدم شعور الناس بالحرية حتى مع حصولهم على حرية التعبير هو امر طبيعي يجب استيعابه، أما الطروحات التي قد يطلقها البعض حول عدم استحقاق الناس لهذه الحرية وعدم بلوغهم المستوى الحضاري المطلوب لممارسة الحرية فما هو الا تعبير عن قصر نظر مزمن تجاه الحالة وابتعاد مؤسف عن فهمها بشكل حقيقي، هذا فضلا عما ينطوي عليه هذا الطرح من تعالي وانعزال عن الناس وهموهم ومشاكلهم.

الخطوة الاولى اذن في تجاوز الفوضى هي ابعاد اصحاب الطرح المتعلق بفرض الرقابة واسلوب المنع لان هؤلاء جزء من المشكلة ولن يكونوا ابدا جزءً من الحل، كما يجب عدم الانطلاق ابدا من الفكرة الخاطئة بان الشعب غير مؤهل لممارسة الحرية لان الانطلاق من هذه الفكرة الخاطئة والتعامل معها كمسلمة سيبعدنا كثيرا عن الوصول الى الحلول التي نرجوها لتجاوز هذه المشكلة، اما الخطوة الثانية الرئيسية لتجاوز الفوضى فتتمثل بالعمل الصادق والمنتج لحصول الناس على مزيد من الحريات الاساسية.

ختاما ان لهذه المشكلة ابعاد نفسية وتربوية واجتماعية وسياسية وثقافية عموما، ولا بد من التعامل الموضوعي والعلمي مع هذه الابعاد واقتصار الحديث هنا على البعد النفسي هو مجرد القاء للضوء على احد هذه الابعاد وليس اختزالا او تسطيحا للمشكلة، وهو بعد مهم لا بد من الانتباه اليه ومراعاته وخاصة في مواجهة فكرة التدخل القسري لتكميم الافواه.