من الذي أساء للملك؟
ارتفعت سقوف الهتافات وبات كل شيء مباح، فلا خطوط حمراء وما تحتها ولا بنفسجية وما فوقها، فكيف آلت الامور الى ما آلت اليه؟ هل هو الربيع العربي؟ هل هو انفتاح الشعب على العالم بفعل تطور وسائل الاتصالات؟ ام ان الامور وصلت الى حدود عدم الاحتمال؟
يمكن لنا ان نتلمس الكثير من الاسباب التي تقف وراء هذا التغير الملحوظ في خطاب الشارع، ولكن يجب ان لا نغفل ابدا عن ان الحكومات المتعاقبة هي التي خلقت هذه الحالة غير المسبوقة، فضعف هذه الحكومات وعدم قدرتها على تحمل مسؤولياتها جعلها تختبئ دائما تحت عباءة الملك وتقدم اسمه كراعي لاي اجراء او قرار تنوي فعله
فهذا رئيس للوزراء يقول هذه رغبة الملك، وهذا وزير يقول امرني الملك، هذا فضلا عن المبادرات والمكرمات الملكية التي تزايدت في السنوات الاخيرة، فالاسكان بمكرمة والتعليم بمكرمة والصحة بمكرمة والتكنلوجيا بمكرمة، لقد اصبح كل شيء تنوي الحكومة تقديمه للمواطن كواجب تفرضه عليها امانة المسؤولية يقدم باسم المكرمة الملكية.
لقد تم استخدام عربة الملك لتمرير كل ما هو فاسد تحت عناوين براقة وشعارات زائفة، كان الهدف منها الخروج عن اطر الرقابة في النظام الاداري والمالي للحكومة، وذلك بدعوى ان هذه الرقابة تخنق الابداع وان الروتين يقتل المبادرة
نعم للرقابة والروتين عيوب ولكنها قابلة للاصلاح ولا يوجد دولة في العالم ليس فيها رقابة وروتين حكومي، ولكن تطور الادارة يقدم حلولا عملية كثيرة لمشاكل الروتين لو توفرت النية الصادقة للاصلاح، اما تجاوز هذا الروتين والابتعاد عن انظار الرقابة فهو لا يقدم اي حل بل هو مدعاة للشك بان هذا التجاوز سيقود الى تجاوزات اكبر واخطر، كما ان استخدام العربة الملكية لتمرير هذه التجاوزات يمثل اساءة بالغة للملك وللشعب على حد سواء.
من ناحية اخرى فان تقديم الحقوق في صيغة مكارم تعتبر استفزازا كبيرا للمواطن الذي اصبح اليوم اكثر وعيا وادراكا لحقوقه وبات لا يقبل بصيغ ومفاهيم غير مفهوم الحكومة الخادمة للشعب والتي تقبض منه رواتبها وامتيازاتها، وهو ينتظر منها ان تقدم خدماتها بجودة موازية لهذه الرواتب والامتيازات، واذا اردنا ان نتقدم خطوة الى الامام فعلى الحكومة ان تراعي انها هي من تتحمل المسؤولية ولا يحق لها ان تحشر الملك في قراراتها لانها ليست ناطقة باسمه وانما هي مكلفة منه بتقديم خدماتها للشعب.
ان على كل مسؤول ان يدرك ان تقديم اي مبادرة باسم الملك فيه مجازفة كبيرة بهذا الاسم، فالامر يتعدى الفكرة التي يريد بعض المسؤولين تقديمها للناس باسلوب ساذج، وهي فكرة رعاية الملك للمواطنين واحساسه بمعاناتهم، فتوزيع بعض الوحدات السكنية المتهالكة على الفقراء وتقديم بعض الوجبات الفاسدة لابنائهم الطلاب لا يخدم هذه الفكرة بل على العكس تماما هو يشوهها ويحيل المواطن الى ربط هذه المبادرات ذهنيا بالفساد وممارساته وحيله التي اصبح معتادا عليها.
لقد اصبح المواطن حساسا جدا عند سماعه باي مبادرة جديدة، وتراه يحكم عليها بالفشل من قبل ان تبدأ، فمن المسؤول عن هذا؟ هل هو الشعب الذي لا يملك القرار ولا حتى ادنى درجة من درجات المشاركة فيه؟ ام من زين صيغة المكرمات لرفع شعبية الملك في حين انه كان يهدف الى الاختباء تحت اسمه ليحصن نفسه ضد اي مساءلة او حساب؟
ان اقل ما يجب فعله الان هو تقديم كل من مرر او ساهم في تمرير مشروع فاشل باسم الملك للمحاكمة بتهمة التقصير والفساد المسبب لفشل المشروع اولا وتهمة الاساءة للملك ثانيا.
لقد ان الاوان ان نحظى بحكومة تقدم برنامجها للشعب وتحاسب على اي تقصير في تنفيذه وبدون ان يخرج علينا رئيس وزراء بعد تقاعده ليقول "همو اللي قالولي" .. وكانه لم يسمع يوما بدستورنا الذي يقول ان اوامر الملك لرئيس الوزراء والوزراء لا تعفيهم من المسؤولية، ان كل ما يحتاجه هذا الوطن هو رجال قادرين على تحمل المسؤولية وليس من جماعة "همو اللي قالولي".