تعرف كيف كان الشعب الأردني يستعد للشتاء
مع بداية أربعينية الشتاء يُقبل الناس على الدفء أكثر، ويُعدون له العدة، سواء بشراء مدافئ الكاز أو الغاز، وتوفير حطب مواقد النار، أو الوقود الثقيل كالديزل لبويلرات التدفئة المركزية.
بين الأمس واليوم ثمة فرق في التعاطي مع الأربعينية، سواء لجهة توفير الدفء الكافيأو وسائل التدفئة وخصوصيتها؛ لكن محاكاة الحنين للماضي باتت هاجساً عند كثير من الأردنيين، الذين يعتمدون على نار الحطب في مواقدهم التي ينشئونها في بيوتهم، والتي تسمى (الفير بليس)؛ فهم يقلدون الآباء والأجداد الذين كانوا يتحلقون حول نار الحطب أيام الشتاء. كما أن هناك من يعتمد على الكوانين في الساحات الكبيرة، والصواوين الشعبية، وبيوت الشعر التي تُنصب لإقامة الأفراح؛ بيد أن هذه الطقوس رغم جماليتها لا تعكس ماضٍياً عريقاً، رسّخ مفاهيم طيبة المجتمع، أساسها المحبة والجود والإيثار. ففي بدايات القرن الماضي وحتى ستينياته، كان فصل الشتاء يشكل تحدياً لأفراد تلك الحقبة؛ من حيث النقص في وسائل التدفئة، وعدم توفر الوقود؛ فيلجأون للطبيعة لدفئهم، كاستخدام جذوع الأشجار اليابسة، أو روث الدواب الناشف، الذي يطلقون عليه مسميات عدة منها: الحرز، والبعر، والصوم. بيد أن شكل المواقد في تلك الفترة يختلف، من حيث المكان التي تُنصب فيه، فقد كانت عبارة عن (جورة) من الطين توضع في وسط البيوت المقنطرة القديمة، وهي الساحة التي يمارس فيها افراد العائلة سهراتهم حولها، فرحين بألسنة اللهب التي تتصاعد و لمعان الجمر الذي يحمل دلال القهوة وأباريق الشاي. كلما كان يشتد البرد يزداد الإقبال على جمر النار المشتعل وسط البيوت، فتجتمع الأسرة الكبيرة حول فاكهتهم الشتوية وهي الدفء؛ يسردون الحكايات التي ترتبط ببيئهم التي يعيشون فيها، كالحصاد ورعي الأغنام وإقامة الأهازيج وأيام السمر؛ لكنهم في ذات الوقت يرجون االله أن ينعم عليهم بغيث السماء، لري أراضيهم مصدر غذائهم. ينظر الثمانيني خليف الجلامدة إلى مربعانية الشتاء قديماً بأنها الأساس في موسم الخير، الذي يتفاءل فيه الناس بكميات هطول وفيرة لمياه الأمطار؛ وبالتالي محصول وفير للمحاصيل الحقلية والزيتون. يشير إلى أن الاستعدادات لاستقبال الشتاء تبدأ مبكرة، حيث يتم جمع الحطب والمواد الأخرى كروث الدواب الناشف، وتشييد الآبار لجمع مياه الأمطار، وتهيئة البيوت القديمة بتطيينها وعمارتها، وعمل مجارٍ للمياه خارجها. أحاديث الجورة بين أفراد العائلة خلال الأيام شديدة البرودة، كانت بين سرد القصص الخيالية، أو النكات الطريفة؛ في حين يتناولونمن الطعام الميسور، كشوربة العدس، والمدقوقة، وعمل اللزاقيات بالعجين والسكر والسمن البلدي، ورغم بساطة الحياة إلا أنهم يعيشونها بسعادة وراحة بال ورضا. لكن الصورة والمشهد اليوم يختلف من حيث أماكن وضع (الفير بليس) في زوايا البيوت، واستخدام وسائل الترفيه وأطيب المأكولات؛ إضافة إلى تراجع أفراد العائلة حول موقدهم بسبب إنشغالاتهم بأمور أخرى. القديم رغم بساطته إلا أنه يعيد للأذهان فترة من الزمن الجميل، عاشه الأردنيون بحلوه ومرّه؛ ولم يشكل ذلك تحديا لهم يعيقهم عن ممارسة أعمالهم وهواياتهم؛ في الوقت الذي يتابعون الشتاء بمراحلة ومسمياته المختلفة. بعد أن ترحل أربعينية الشتاء تأتي خمسينيته، وهي تقسم لأربع فترات كل فترة (اثنا عشر يوماً ونصف)، أولها (سعد الذابح) الذي تكثر فيه الأمطار و(سعد بلع)، ففيه تبتلع الأرض الامطار، و (سعد السعود) الذي يقولون فيه:» تدور المية في العود»، وأخيراً (سعد الخبايا) لأن الافاعي تخرج من جحورها. تلك أيام شتائية رحلت ببؤسها ؟ألقها!!