قراءة أخرى في الربيع العربي
منذ أواخر عام 2010، وأنت لا تكاد تسمع إلا حديثاً عن الربيع العربي، ليس عندنا فقط، ولكن في جميع أنحاء الدنيا. حتى الفكر السياسي، قديمه وحديثه، بات يرسم مسارات جديدة المفاهيم «المعارضة» و»النظام السياسي» و»الجيش» و»الأحزاب» و»الطائفية» و»التبعيّة» و»مجلس الأمن» و»الأقليات» و»الإعلام» و»القناة الفضائية»، حتى مجالس الشورى والنيابة والشعب، قد أصبحت هي الأخرى في دائرة إعادة التفكير وإعادة القراءة.
ولكن يبدو أن المواطن العربي قد فقد زمام التحكم بعقله وفكره واستنباطه وتحليله، فبات، في كثير من الأحيان، تحت رحمة «مصدر» المعلومة، متحاشياً حتى بذل الجهد في البحث عن الرأي المقابل أو المعلومة القادمة من الجهة الأخرى. فكم منّا من أخذ طرف الحقيقة من هذه الوسيلة الإعلاميّة أو تلك، وأعطاها حرية قيادته إلى أمكنة هي تريده أن يصل إليها.
هذا إضافة إلى أنّ البعض منّا، قد أصبح مملوكاً للمعلومات والنظريات والرؤى والتحليلات التي تضخها، ليل نهار، آلة الإعلام الغربي والأمريكي المرعبة، والتي تضع بين فكيّها أطراف التفكير العربي فيُخْرط على قياسها، وبالتالي يصبح مقوداً لها، بعد أن همّشنا عقولنا، واستسهلنا أخذ الجرعات المسبقة الصنع على طريقة «التصنيع المسبق»، نأكله ونحن ندري أنه مملوء بكل غثٍ وسُمّ.
إن درء المفاسد أقرب إلى الأخذ، من جلب المنافع. ولكن الأخطر هو أننا بتنا نعيش في حالة التهام للمفاسد بكل شراهة، وبذلك نجد أن كثيراً من جوانب ما سُمّي، بخُبث، «الربيع العربي»، قد جاء على قَدَرٍ من المصلحة الخارجية، وتحقيقاً لمطامع الآخرين. لذا فما أنْ تحركنا في الشارع حتى وجدنا أنفسنا في متاهة كبيرة، بعد أن ضيّعنا الاتجاه، لأن كل همنا كان منصباً على هدم ما كان دون أن نكون مالكين لأي خريطة تدلنا على ماذا يجب أن يكون بعد ذلك.
تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، وسوريا الآن، هي محكومة بعقلية المتحمسين، دون أنْ يكون بينها قادر على التوجيه. لذلك رأينا أن هناك خللاً بيّناً في عملية الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بالرغم من إدراكنا أن هناك هجمة خارجية شرسة تقصد إعادتنا إلى عهود الاستعمار، بعد أن أدخلتنا في دائرة الفوضى الخلاّقة.
نسأل الله أن يعيننا على فهم أفعالنا، وأن يأتي يوم نعلن فيه عن بدء قراءة ربيعيّة لصيف عربي؛ أو قراءة شتائية لخريف عربي، على أن تكون المسميات حقيقيّة.