مفهوم خطاب الكراهية في قانون الجرائم الإلكترونية

رأي شخصي محايد، ورؤية قانونية موثقة لتفسير قانون الجرائم الالكترونية وتعديلاته..

كتب تحسين التل:- ركز المشرع الأردني في قانون الجرائم الالكترونية وتعديلاته على ثلاثة مفاهيم؛ تُعد من أخطر الأمور التي تناولها المُشرع بعد إقرار المادة (11) من القانون التي تسمح بالحبس الإستباقي للمواطن الأردني.

مفاهيم ركز عليها المشرع سنتناولها بشيء من التفصيل حتى يعلم المواطن الحدود التي يجب أن يتوقف عندها قبل استخدامه للصحف الورقية والالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لأن القانون اعتبر المواد المنشورة، إن كانت ورقية، أو إلكترونية، أو بالخطاب المباشر وأمام شهود، تندرج تحت باب الجريمة التي يعاقب عليها قانون العقوبات الأردني لعام (2010) وتعديلاته لعام (2017) بالحبس لمدة سنتين الى ثلاث سنوات، وبالغرامة التي يمكن أن تصل الى عشرة آلاف دينار.

وجرائم الذم والقدح والتحقير في قانون العقوبات هي موجودة أيضاً في قانون المطبوعات والنشر، وقانون الإتصالات، وهي من الجرائم التي دخلت في قانون الجرائم الالكترونية، ولا نعرف حقيقة لماذا جعل المشرع الأردني هذه الجرائم تتكرر في أربعة قوانين مع أنه قادر على إقرارها مجتمعة في قانون واحد.

نحن نتمنى أن لا يكون هناك ازدحام وتعارض في القوانين، إذ يمكن للقضاء الموقر أن يتعامل مع قانون تشمل بنوده كل الجرائم المتعلقة بالمطبوعات والنشر وما يدخل فيها من جرائم إلكترونية، ويمكن لهذا القانون الوحيد الواضح أن يمنح القاضي سهولة كبيرة في اتخاذ القرار المناسب الذي يكون في صالح جميع الأطراف بما في ذلك الحق العام.

المفاهيم التي دخلت كتعديلات في قانون الجرائم الإلكترونية ولم يستطع البعض أن يجد لها التفسير المناسب، هي ثلاثة مفاهيم ركزت عليها الحكومة، وكل من يجد نفسه متضرراً من حرية الإعلام الأردني التي تجاوزت عدد من السقوف غير المسموح بتجاوزها.

أولاً: خطاب الكراهية الذي يؤدي الى التحريض.

ثانياً: إثارة الفتنة الطائفية، والنعرات العنصرية في المجتمع.

ثالثاً: اغتيال الشخصية الأردنية.

نبدأ بخطاب الكراهية الذي ركز عليه الجانب الحكومي، وطلب الى مجلس النواب التركيز عليه بعد خروج بعض المظاهرات في عدة مدن أردنية، حيث خرجت أصوات تشتم وتقدح مقامات عليا.

إن الإساءة الى رأس الدولة أو غيره من المقامات العليا، يتجاوز وفق تعديلات القانون الحدود المسموح بها، وهناك عقوبة ربما تصل الى خمس سنوات سجن، وغرامة مالية تساوي عشرة آلاف دينار.

تماماً كما نص عليه قانون العقوبات الذي يشمل الحبس والغرامة عند الحديث عن قدح المقامات العليا، أو الحديث عن رموز أردنية، يمنع القانون المساس بها لأنها تمثل هيبة الدولة.

تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية نصت على معاقبة كل من يشتم وينتقد رأس الدولة وكل ما يخصه من أهل بيته وأقاربه من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، وكل من يعمل في مجلس النواب، والحكومة، والأعيان، وكبار رجالات الدولة، أو ما يمكن أن يثير الكراهية في نفوس الشعب الأردني ضد أي شخصية من الشخصيات الحكومية الحالية أو السابقة، واعتبر ذلك هو الركن الرئيسي من خطاب الكراهية.

ثانياً: إثارة النعرات الطائفية، والفتنة العنصرية بين أفراد الشعب، كأن يتحدث المواطن عن أمور دينية تتعلق بالأديان الثلاث: الإسلامية والمسيحية (واليهودية)، أو أن يتحدث المواطن أو ينشر في الصحف والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي عن أحداث أيلول، والعنصرية بين الأردني والفلسطيني، بين الشمالي والجنوبي، بين العربي والأجنبي، وهكذا...؟!

هناك عبارات فضفاضة، ومطاطية يمكن للمشرع أن يتلاعب بها، ويقيفها على مقاسات حكومية، وربما نيابية مطلوبة لكبح جماح الحريات، وما وصل إليه المواطن من سقوف مرتفعة يحسدنا عليها القريب والبعيد كما قلنا سابقاً.

ثالثاً: اغتيال الشخصية، وهنا يمكن أن نقول إن هذا البند في التعديلات الجديدة على قانون الجرائم الالكترونية، يمكن أن يفسره القانون على أنه؛ كل من أساء لرئيس الحكومة، والوزراء، والنواب، والأعيان، وكبار رجالات الدولة، بما في ذلك الفاسدين، دون دليل، أو دون وجه حق؛ يُعتبر ضمن بند اغتيال الشخصية، وكل من كان لديه أوراق، أو ملفات فساد، لا يجوز له أن ينشرها، بل عليه أن يذهب الى النائب العام، أو المدعي العام، أو هيئة مكافحة الفساد، ويقدم الملف، وبغير ذلك يُعد هذا التصرف اغتيال للشخصية، يعاقب عليه القانون ثلاث سنوات حبس، وغرامة من خمسة الى عشرة آلاف دينار.

نحن ضد خطاب الكراهية، ولا نسمح بقدح المقامات العليا لأنها قلة أدب ووقاحة ويجب أن تُحترم هذه الرموز، كما أننا ضد شتم المسؤول، وانتقاده بما فيه وبما ليس فيه لأن القانون هو الفيصل بين الجميع، إذ لا يجوز للمواطن أن يأخذ حقه بيده أو بلسانه، ومثلما يرفض المواطن أن يتعرض له أحد بالشتم والقدح، والتحقير من المؤكد أن المسؤول هو على ذات المبدأ، وكما قلنا القانون للجميع.

أعتقد أن هذا المقال هو توضيح بسيط من وجهة نظري الشخصية، ونظرتي للنقاط الثلاث التي يتحدث عنها الجميع ويعتبرون أن تفسيرها فيه شيء من الإلتباس، لكن التفسير هو الأقرب للحقيقة والواقع بعد أن اطلعت على كثير من الآراء القانونية لعدد كبير من رجالات القانون والقضاة، ونترك التفسير الصحيح بعد إقرار التعديلات والتصويت عليها وتوشيحها بالإرادة الملكية.

بالنهاية أنا مع تغليظ العقوبات على قدح المقامات العليا للدولة، لكنني أرفض قانون الجرائم الالكترونية، وأطالب بإلغاء الفقرة (11) من القانون، بل أطالب بإلغاء كل القوانين التي تحد من حرية النشر، لأن ذلك يعتبر تراجع عن الحريات، وعودة الى الأحكام العرفية.