من يتحمل المسؤولية ؟

ناموا ليلتهم كالعصافير ..فرحين متأهبين، والبسمة تغفو على براعم ثغورهم، يترقبون شقشقة الصباح، ورفقة الأصحاب، لرحلة لم يكن يعلم واحدهم، أنه ذاهب إليها، ولن يعود ..

حضّرت أمهاتهم الثكلاوات حقائبهم، وجبات طعامهم، ألبسنهم أجمل ما في الخزائن، مشطن شعورهم اللاتي تشبه حقول السنابل، قبلنهم على وجناتهم، ودعنهم الوداع الأخير.

انطلقت بهم حافلة القدر وهم يتضاحكون، يشدون بكل براءتهم، يترقبون يوماً حافلاً بالفرح، وشقاوة الأطفال، وسيل جارف لا يرحم، كان يتصيد ابتساماتهم، ويخبىء لهم نهايات الأحلام والمشاوير ..

هو الموت، لا يفرق بين ربيع الطفولة، وخريف العجائز، ويخطف في طرفة قدر، اغلى الأحبة والخلان ..

هو الفراق لا محالة، والأمهات اللواتي ودعن فلذات أكبادهن صباحاً، ما زلن على شبابيك بيوتهن يترقبن عودة الغائبين ..

هو الحزن قد اعتصر قلوبنا المكلومة من هول الصدمة والمأساة، المسلّمة بقدر الله ومشيئته..

يا اطفالنا الشهداء، كم أوغل رحيلكم في جراحات قلوبنا المثخنة حزناً على وطن بات يتاجر فيه سماسرة كذبة، وهيهات لو ذاك السيل الجارف قد اجتاح الفاسدين فيه وأغرقهم عن بكرة أبيهم، واجتث سفالتهم بدلاً من براءات عيونكم الغاليات، لكنها الأقدار اذ تشاء ما تشاء.

لماذا يأبى الحزن مفارقة الاردنيين ؟، والشفاه عصية على الابتسامة، والوجع مستوطن في الروح ..

كل دموع الكون لا تكفي العيون، حسرة على براعم ياسمينة قطفت قبل الأوان ..

صباح الأمس، تتردد أنباء، تتطاير معلومات وتنتشر صور ووثائق، غطّت مساحات العالم الأزرق ..

يتكشف : أن الجسر الذي تداعى، كان آيلاً للانهيار منذ سنوات، ونحن في غفلة عنه، ولم يحرك مسؤولاً ساكناً، وصمتوا عليه صمت القبور ..

نتساءل : كيف لمدرسة تقرر إرسال طلبتها برحلة مغامرة، في وقت حذرت فيه الأرصاد الجوية سابقاً من منخفض جوي يتزامن مع اليوم الذي ارتحلوا فيه ..

ونتساءل : كيف يصرح وزير الوزارتين ان مديرية التربية قد منحت المدرسة اذنا برحلة للازرق، ويردد رئيس الحكومة ما قاله خلفه، فيما كتاب الموافقة موثق فيه طلب المدرسة لرحلة الى منطقة "وادي الازرق"، الذي لم نعرف ختى اللحظة ، اي واد ازرق هو المقصود، فلا وجود لهذا الاسم بمنطقة الازرق، انما يوجد واد ازرق بالسلط، ووادي زرقاء ماعين ..
فلأي الاودية بالضبط، منحت وزارتنا الموافقة لأطفالنا الذين فقدوا حيواتهم فيه، ان كانت تعلم، ام أن الأمر قد التبس على الجميع ؟

الكل يتنصل من مسؤولياته، والكل يلقي باللائمة على الآخر، وحدهم الذين توفاهم الله شهداء، هم الذين دفعوا ثمن جريمة نريدها أن تطيح بكل مسؤول عن وقوع الفاجعة، وكل متقاعص ومتخاذل ..

لم تجد قريحتي أبلغ مما قاله الملك معقباً بغضب على المأساة : "حزني وألمي شديد وكبير، ولا يوازيه إلا غضبي على كل من قصّر في اتخاذ الإجراءات التي كان من الممكن أن تمنع وقوع هذه الحادثة الأليمة" .. "أعزي نفسي، وأعزي الأردن بفقدان أفراد من أهلي وأسرتي الكبيرة، فمصاب كل أب وأم وأسرة هو مصابي.
إنا لله وإنا إليه راجعون".