ألهذا يحتفلون بـ«تموز»؟!
لم يتذكر انقلاب عبد الكريم قاسم الدموي الذي أطاح النظام الملكي في العراق في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 إلاّ بقايا «الرفاق» الشيوعيين العراقيين الذين احتفلوا بهذا الانقلاب الذي لو أنهم قرأوا التاريخ جيداً لتيقنوا أنه كان انقلاباً أميركياً وانه جاء في إطار استهداف الأميركيين في تلك الفترة في نهايات عقد خمسينات القرن الماضي لباقي ما تبقى من الإستعمار القديم وعلى وجه التحديد الإستعمار البريطاني والإستعمار الفرنسي وبخاصة في الشرق الأوسط والقارة الإفريقية.
قبل انقلاب عبد الكريم الدموي، الذي كان أسوأ الانقلابات العسكرية العربية على الاطلاق، كان هناك العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، اسرائيل وفرنسا وبريطانيا، ولعل ما لم يدركه البعض حتى الآن هو أن الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة ورئيسها في ذلك الوقت جنرال الحرب العالمية الثانية دوايت ايزنهاور والذي كان العامل الرئيسي في إفشال ذلك العدوان لم يكن في جوهره دعماً للرئيس جمال عبد الناصر بل لكسر شوكت الاستعمار القديم وتوجيه ضربة قاصمة إليه في هذه المنطقة الاستراتيجية والحيوية.
كان الأميركيون في نهايات خمسينات القرن الماضي قد قرروا، على خلفية الانتصارات التي حققوها في الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت الولايات المتحدة الرقم الرئيسي في المعادلة الدولية، التخلص من بقايا النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط والنفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية فكان لابد من تلميع جنرال ضيق الأفق مثل عبـد الكريم قاسم ودفعه للقيام بانقلابه الدموي ضد النظام الملكي العراقي الذي كان يعتبر منحازاً للبريطانيين وموالياً لهم وكان لابد من دعم الثورة الجزائرية العظيمة وكان لابد أيضاً من إخراج بريطانيا من كل المناطق النفطية في منطقة الخليج والمعروف أن تلك المرحلة قد شهدت تقلبات كثيرة ومتلاحقة إن في هذه المنطقة وإن في إفريقيا وإن بالطبع في الشرق الأقصى وكانت أميركا لاعباً رئيسياً في هذه التقلبات كلها.
لقد كان على باقي ما تبقى من الشيوعيين العراقيين والشيوعيين العرب أن ينظروا الى انقلاب الرابع عشر من تموز (يوليو) العام 1958 من زاوية ما جاء بعده وليس من زاوية ما قبله وكان عليهم ألاّ يتبنوا انقلاباً دموياً عنوانه «السَّحل» والمذابح الجماعية بدون لا محاكمات ولا سؤال ولا جواب وهنا فإن ما يؤكد أن الظاهرة الشيوعية العربية لا تحسن قراءة الأحداث أن الشيوعيين اعتبروا زياد بري الذي أوصل الصومال إلى ما وصل إليه رمزاً من رموز التقدم والتحرر والإشتراكية وأنهم كانوا قد أعطوا هذه الصفة حتى لجعفر النميري قبل أن ينقلب على الشيوعيين السودانيين، الذين كانوا يعتبرون أفضل الشيوعيين العرب، ويذبح كل قياداتهم العسكرية والسياسية والنقابية، وها هُمْ يعطون الآن ولاءهم، ويا للعجب، لقاتل مثل بشار الأسد وللرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يعتبره الشيوعيون الروس أكبر رمز للفساد والإستبداد في بلادهم.
ربما أنه كانت هناك بعض المبررات في الأيام الأولى من انقـلاب عبد الكريم قاسم كي يعتبر الشيوعيون العراقيون والشيوعيون العرب أن هذا الانقلاب هو انقلابهم على اعتبار أن موسكو كانت قد سارعت لتأييده أما بعدما انتهت حفلات «السّحل» والمذابح الجماعية والتصفيات التي لم يسلم منها إلا طفلاً واحداً من العائلة الملكية فإنه كان عارٌ على الشعب العراقي وعار على شيوعيي المنطقة العربية أن يبقوا يعتبروا ذلك اليوم الأسود عيداً وطنياً لهم وأن يبقى «الرفاق» الذين عادوا من المنافي خلف الدبابات الأميركية يحتفلون به عيداً لحزبهم.