ما الذي يجري في مصر؟!
الانجاز «الثوري» الحقيقي في مصر ليس إجراء الانتخابات الرئاسية وغير الرئاسية التي أُجريت ولا فوز الذين فازوا في هذه الانتخابات ومن بينهم محمد مرسي الذي فاز بموقع رئيس الجمهورية، والذي يمر الآن بمرحلة اختبار من قبل الشعب المصري، بل هو حالة الجدل الجدي والعميق المحتدمة الآن بين أصحاب وجهات النظر المختلفة والمؤتلفة على صفحات الصحف المصرية كلها بكل اتجاهاتها ومن بينها بل في مقدمتها صحيفة «الاهرام» التي بقيت بوقاً للأنظمة التي تعاقبت على الحكم منذ انقلاب العام 1952 وحتى تنحي حسني مبارك في فبراير (شباط) الماضي وحقيقة أن كل هذه الانظمة هي مجرد نسخٍ عن النظام الذي أرسى دعائمه «الضباط الاحرار» بعد نحو عامين من انقلابهم أي في عام 1954.
هناك جدل واعٍ وعميق حول هوية الدولة المصرية بعد أن أصبح «الإخواني» محمد مرسي رئيساً للجمهورية التي سميت «الجمهورية الثانية» بقرار شعبي وليس بقرار رسمي وهناك تصدٍّ عقلاني جريء وواعٍ وبالوسائل السلمية، بالطبع، لنزعة «الاخوان المسلمين» للهيمنة على كل شيء وهناك دفاع عقلاني وبمثابرة لا تكل ولا تمل عن «مدنية» الدولة وعن أنه لا يجوز أن تتكرر تجربة الأحزاب الاستبدادية إن في مصر وإن في عدد من الدول العربية.
إن كل شيءٍ مسموح به، حتى الآن، وأن ما كان غير مسموح قوله بات يقال وعلى رؤوس الأشهاد وأن الاتجاه العام وفقاً لما تعكسه زوايا الصحف ومن بينها «الأهرام» التي هي بدورها قد خَلَعتْ جلباب «المحافظة» وتخلت عن وقارها السابق المفتعل ونزلت الى الميدان بعدما فتحت صفحاتها لكل صاحب رأي مخالف ومختلف من كتابها ولعل ما تجب الإشارة اليه هو أن هناك عدداً كبيراً من هؤلاء يقفون حاليّاً للإخوان المسلمين بالمرصاد كي لا ينفردوا بالحكم وكي لا تصبح هويتهم السياسية هوية للدولة وكي لا تذهب بهم نشوة الانتصار الى التفكير بتحويل المجتمع المصري الى مجتمع «إخواني» وكي لا يكرر هؤلاء تجارب أحزاب الانقلابات العسكرية التي استحوذت و»كوَّشت» على كل شيء وحولت البلدان التي حكمتها الى مزارع حزبية حكراً على محازيبها ومن «لفَّ لفَّهم»!!.
الآن يتركز بعض الجدل المحتدم على ما إذا كان سيتم الاحتفال بـ»ثورة» يوليو (تموز) التي ستحل ذكراها بعد ايام أم لا وما إذا كان سيبقى النشيد الوطني هو النشيد الوطني الذي وضعه ولحنه الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات وما إذا كان سيبقى إسم الدولة هو جمهورية مصر العربية وما إذا كان سيبقى احترام مرحلة جمال عبد الناصر مستمراً ام انه ستتم ردة عليها وستجري محاكمتها والتبرؤ منها كما تبرأ حكام رومانيا الجدد من مرحلة نيقولاي تشاوشيسكو وكما تبرأ بوريس يلتسن ومن تبعه من المرحلة الشيوعية ومن تماثيلها وأدبياتها واعيادها وشعاراتها وأسماء المدن خلالها.
إن هذا هو ما يتركز الجدل عليه الآن في مصر كما وأن هذا الجدل الساخن جداً والواعي جداً يتركز أيضاً على ضرورة ألا تبقى جماعة الاخوان المسلمين هناك حزباً سياسياً وانه عليها إما ان تحل نفسها وتترك المجال للحزب الناشئ حزب العدالة والحرية وإما أن تتحول الى جمعية خيرية وكذلك على ألاّ يلعب المرشد العام لهذه الجماعة محمد بديع دور المرشد العام والولي الفقيه على خامنئي في إيران وأن يتم منعه وبموجب القوانين من ان يتدخل بصفته مرشداً عاماً في شؤون رئاسة الجمهورية وفي أي شأن من شؤون الدولة المصرية.. هناك ثورة ثقافية وسياسية واجتماعية في مصر والمؤكد أن هذا البلد الذي بقي يُحشَر في قمقم «الضباط الأحرار» لنصف قرن وعشرة أعوام سوف يشهد تغيرات وتحولات جذرية خلال عامين والأمل هنا هو ألاّ تترافق هذه التحولات المتوقعة مع ما جرى خلال ما سمي ثورة ثقافية في الصين ومع ما حدث خلال التحولات التاريخية الهائلة من أعمال عنف وصراعات سياسية.