هذي بلدنا..
عندما أبلغني حارس العمارة أنه ذاهب لشراء زهاء اثني عشر رغيفاً من المخبز بربع دينار، وإذا بي وكأن غمامة انقشعت من أمام ناظريّ، وكأن ضوءاً ساطعاً انكشف لي؛ اثنا عشر رغيفاً بربع دينار، وبنصف دينار فلافل ومع حبتيّ بندورة وإبريق شاي، فإن أسرة مكونة من ستة أفراد يمكن أن تتناول فطوراً شهياً ومشبعاً بحوالي دينار أو قد يزيد على ذلك قليلاً. إذاً فبلدنا ما تزال بخير، والحياة الكريمة المستورة ما تزال ممكنة فيها.. ما أقوله لا يعني أن لا نحارب الفساد وننال من الفاسدين.. وبالضرورة لا يعني استكانة الناس وعدم سعيهم للأفضل والأحسن والأجمل والأكمل، رغم أن الكمال لله وحده، ولكن على الإنسان، ليس في الأردن وحده، ولكن في كل زمان وكل مكان، أن يواصل بحثه عن ذروة اكتمال أو اقتراب منه على الأقل.
في أزمنة القرى المستريحة عند حدود الوديان.. الممتدة في سهول البلاد.. المنحازة لعاداتها ومقدراتها وإيقاعات الناي فيها والدقة والمهباش، ودورة الشمس والقمر، والليل والنهار، والصيف والشتاء وما بينهما من إطلالة ورد، أو خفقان قلبٍ أمام شجر تتساقط أوراقه، كانت الحياة غير أيامنا هذه.. وكان الكبير كبيراً، بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ. وكان الرضا عنواناً.. والقناعة نبراساً.. وما يغضب الناس غير ما يغضبهم في عصر الفضاء المفتوح والخصوصية المخترقة، والحوار الذي لا ينتهي، والخصام الذي لا يموت، والضغائن على اختلاف أوضاعها؛ النائم منها والمتيقظ المتحفز للانقضاض في مختلف الاتجاهات.. في تلك الأزمنة الجميلة البعيدة، ظل هدوء البال الوصف الدقيق لأهالينا، لأمهاتنا المسربلات بالصبر والتفاني والعمل الصامت الدؤوب.. نأكل مما نزرع، ومما نربي في حوش الدار، وفي فلاة المدى الممتد للشِعر والصفاء الحقيقي النقي العظيم.. وفي كل أزمان بلدنا الحبيب، شكل التآلف قيمة عميقة الدلالات، متجذرة المنشأ والأساسات.. قيمة يتبناها الكبير قبل الصغير،.. قيمة يحرسها ويحدب عليها بيت هاشمي عظيم.. ويرعاها عمود الدار وعميدها وواسط صمودها وارتقائها.. وفي سبيل الحق والإنصاف، فمن أتيح له السفر من أبناء بلدي، يدرك معنى أن تستطيع أسرة أردنية أن تفطر بما يدور حول فلك الدينار، يزيد ذلك بضعة قروش أو يقل، فغلاء بعض الدول، حتى المجاورة منها، مما يصعب تخيّله، وارتفاع كلف العيش أصبحت سمة العصر، وعنوان العولمة.. صحيح أن ارتفاع بعض الأساسيات والسلع والمواد الغذائية محلياً، مما أصبح فوق طاقة كثير من أبناء الوطن، وناسه وموظفيه وعماله وحرفييه، ولكن ما أود أن أصل إليه أن الأمور ما تزال ممكنة، بقليل من التدبر، والتنظيم، وإرادة الفعل، وعقد العزيمة أن لا نحوّل ارتفاع البنزين على سبيل المثال، إلى سبب للفوضى، وقلب معادلة التوافق والتعاضد التي ارتضيناها نهجاً وهوية وعقيدة.. فهذي بلدنا يا أهلي وأحبائي، بلدنا التي لا نخون عهودها، ونحميها برمش العين والحاجب.. وهذا شعارنا الباقي: الله.. الوطن.. الملك.